تَحَلُّلُ جُثَثِ الشهداء لا يَقدَحُ في شَهَادَتِهِم

0
682

السؤال / كثيراً ما يتردد بين الناس أن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء؛ فلا تتحلل ولا تتعفن، وأن رائحتهم تكون كرائحة المسك، ولكن في هذه الحرب وما سبقها، وكما حصل لشهداء جنين عام 2002م أيضاً، خرجت الجثث متحللة متعفنة، ولها روائح مُنْتِنَةٌ جداً، فما تفسير ذلك، وهل يتنافى هذا مع كونهم شهداء؟
الجواب / الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن الصحيح الثابت هو أن الشهداء أحياء حياة خاصة عند ربهم يرزقون، وأنهم فُضِّلُوا ومُيِّزُوا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يرزقون في الجنة، ويأكلون، ويتنعمون، وغيرهم من المؤمنين منعم بما دون ذلك.
فتلك هي ميزة الشهداء وخصوصيتهم من جهة حياتهم في قبورهم، أما كون أجسادهم لا تتغير، فهذا لم يرد به دليل تقوم به حجة حسب علمنا.
حيث لم يَرِدْ في سُنَّةِ النبي ، ولا في سيرة الصحابة الكرام أن هناك شهداء لم تتحلل أجسادهم سوى شهداء أحد، وحالات فردية أخرى؛ كعمر بن الخطاب، وأبي طلحة، وغلام أصحاب الأخدود ، رغم تعدد غزواتهم، وكثرة الشهداء في زمانهم، ولعل هذا كرامةٌ خاصة بِمَنْ ذُكِرَ دون سواهم .
والذي يمكن أن نقوله: إن أجساد الشهداء كغيرهم من البشر؛ تتَحَلَّلُ، وتَتَعَفَّنُ، وتأكُلُها الأرض، وما كان من عدم تعفنٍ لآحاد الشهداء فهو كرامة خاصة به، وليس بالضرورة أن تحصل تلك الكرامة أو غيرها لكل شهيد، فإن لم تحصل له كرامة شككنا في شهادته، وارتابت قلوبنا، أو استهجنا حدوث ذلك له.
أما كون رائحة الشهيد رائحة المسك فهذا ثابت له؛ لكنه يكون يوم القيامة؛ إظهارا لفضيلة الشهيد، وتمييزاً له بين أهل الموقف لما بذل من دماءه في سبيل الله، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة قال ” كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ تَفَجَّرُ دَمًا؛ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ ـ أي الريح ـ عَرْفُ الْمِسْك” واللفظ للبخاري ، ولهذه الحكمة تُرِكَ غسل شهيد المعركة.
وبهذا يُعلم أن تحلل جثث المجاهدين، وغيرهم من المسلمين الذين قتلوا ظلماً على يد بني يهود، وهم يدافعون عن أنفسهم ودينهم وأموالهم وأعراضهم وأرضهم، ليس فيه دليل أبداً على كونهم غير شهداء، بل الصحيح الذي لا مِريَةَ فيه هو أن من قُتِلَ دون ماله أو دمه أو أهله من المسلمين فهو شهيد بإذن الله تعالى، سواء تعفنت جثته أم لم تتعفن، تغيرت رائحته أم لم تتغير؛ فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ” رواه الترمذي وأبو داود عن سعيد بن زيد ، والأدلة على هذا كثيرة .

والله تعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

أخوكم في الله
الشيخ / إحسان إبراهيم عاشور
مفتي محافظة خان يونس
وعضو مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين

https://www.facebook.com/DarAlaftaAlflstynytKhanYwns

 

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here