منوعات أدبية – الحلقة 120

0
521

بسم الله الرحمن الرحيم

أهلا  وسهلا بكم أحباءنا ومتابعينا … في هذه الحلقة120 والحلقات التي تليها  سنتطرق الى المنظومة الأدبية ونطلع على خباياها وما هي هذه المنظومة أصلا ؟ فتابعونا …

المنظومة هي ببساطة إطار كلي يتناول بحث جميع أنواع الأدب وأشكاله وأنواعه وأغراضه . وهي الهدف الذي تتواجد من اجله المنظومة نفسها وما تفعله هذه المنظومة لتحقيق الهدف الذي وجدت من اجله..

 إنَّ تلك الآراء التي جَعلت من العَمل الأدبي صِناعَةً خالِيَة من الحِس الإنساني ، قد فَصلت قيمتَه الذَّوقية كأداء وإِنْتاج عن قيمته داخِل المَنْظومَة الأَخْلاقِيَّة، وهذا ما يبعث التَّفكير في مستقبل أبناء هذه الأمَّة، بعد أنْ  تَحوَّل العمَل الأدبي إلى فَنٍّ خالٍ من جَوْهرِه، ومُفْتقِر إلى رسالة تَبُثُّ ثورة في أَوْصالِه وتَمُدُّه بصَبيبٍ من دِماء الحياة، تَعْصِف بجُذورِه المَيِّتَة وتَقْتلعها من مَنْبتِها السيئ، لتُفْسِح المَجال لميلاد أدب عربي أصيل، يَخْدُم قضايا الأمَّة ويتناول دُروسًا ومَواضيع تَتَّصِل بحياة الأفراد والجماعات، وذات قيمَة أكبر من قيمَة إِخْراج العمَل الأدبي إِخْراجًا فَنِّيا يعتمد على براعَة الأسلوب، بل عليه أن يَتمثَّلهُما معًا في انْسِجام لتَنْشِئة جيلٍ مَتينِ اللُّغَة وفَصيحِ التَّعبير، يَتحلَّى بالفَضائل والأخلاق الرَّفيعَة ..

 لهذا حين أَلَّف المؤرِّخ المصري شهاب الدين النويري كتاب «نهاية الأرب في فنون الأدب» ـ وهو من الموسوعات الأدبية الكبرى التي جمع فيها خلاصة التراث العربي في شقَّيه : الأدب والتاريخ ـ أَسْهب في التَّنويه بالأدب تقديما لكتابه، فأفادَ وأجادَ في إيصال المَأْرَب من إِيْلاغِ فنون الأدَب إلى من كان هذا مَطْلبه ومقْصِده ومَوْرِده الأصْفى، ليُعْرَف به انْتِسابه الأصْدَق، فقال: (فمن أَوْلى ما تدبَّجَت به الطروس والدَّفاتر، ونطقَت به أَلْسِنَة الأقلام عن أَفْواهِ المَحابِر، وأَصْدَرَتْه ذَوو الأذهانِ السَّليمة، وانْتسَبت إليه ذوو الأَنْسابِ الكريمة، وجعله الكاتِب ذَريعةً يتوصَّل بها إلى بلُوغِ مَقاصِده، ومَحجَّةً لا يَضِلُّ سالِكُها في مَصادِره ومَواردِه : فنُّ الأدب الذي ما حَلَّ الكاتِب بِواديه، إلاَّ وعَمَرَت بَواديه، ولا ورَدَ مشارِعَه، إلا واسْتَعْذَبَ شَرائِعَه، ولا نزَلَ بساحَتِه إلا واتَّسعَت له رِحابُها، ولا تأمَّل مُشْكِلاتِه إلا وتبَيَّنت له أَسْبابُها)

 حتى أنه نبَذ وراء ظهره ما كان يَشْغلُه عن طَلبِ هذا الفنِّ العزيز، بعد أن عَدلَ في بدايَته عن الإِلْمامِ بناديه، وقد ذكر ما كان من أَمْرِه وأَحْوالِ جدِّه واجتهادِه في تَحْصيلِ أسبابه، وبُلوغِ مُبْتغاه بالتَّعَلُّقِ بأَهْدابِه، والانْتِظام في سِلْك العامِلين في مَيْدانِه فقال: (وكنت ممَّن عدَل في مَباديه عن الإِلْمامِ بناديه، وجعل صناعة الكتابة فنَنَه الذي يَسْتظِلُّ بوارفِه، وفنَّه الذي جُمِع له فيه بين تَليدِه وطارفه، فعرفتُ جَلِيَّها، وكشفتُ خَفِيَّها …. فأَعْجزتُ المُناضِر والمُناضِل، وأَتْقَنت مَوادَّ هذه الصِّناعَة، وتاجَرْتُ فيها بأَنْفَس بضاعَة، ثم نَبذْتُها وراءَ ظَهْري، وعَزمْتُ على تَرْكِها في سرِّي دون جَهْري، وسألت الله الغُنْية عنها، وتضَرَّعتُ إليه فيما هو خيرٌ منها، ورَغِبْتُ في صِناعة الآداب، وتَعلَّقتُ بأَهْدابِها، وانْتظَمْتُ في سلكِ أَرْبابِها، فرأيت غَرضي لا يتِمُّ بتَلقِّيها من أَفْواهِ الفُضَلاء شِفاهًا، ومَوْرِدي منها لا يَصْفو ما لم أُجَرِّد العَزْم سفاهًا، فامْتطَيْتُ جوادَ المُطالعَة، وركضتُ في مَيْدانِ المُراجعَة، حيث ذلَّ لي مَرْكَبُها، وصَفا لي مَشْرَبُها، آثَرْتُ أنْ أُجَرِّدَ منها كتابا أَسْتَأْنِس به وأرجِع إليه، وأُعَوِّل فيما يَعْرِضُ لي من المُهِمَّات عليه )   

1 ـ الأدب .. يحمل رسالة فَنِّية وأخلاقِيَّة

إنَّ رسالة الأدب ينبغي أنْ تكون ذَوْقيَّة وفَنيَّة، وأَخْلاقيَّة ودينِيَّة، ذات ثَوابت مُتَجذِّرة في ثقافة المجتمعات وثُراتِها وتاريخ وُجودِها، تسعى إلى تَنْشِئة جيلٍ مَتينِ الخُلُق والدِّيانة، يتحَلَّى بمكارم الأخلاق، والنِّضال في ساحات الحياة، والدَّأْب على العمل والسَّعي للنُّهوض بالعلوم، والمعارف المُتَعدِّدة المَشارِب والفُنون ..

 وإنَّ رسالة الأدب ينبغي أن تزرع في قلوب أبنائها الشُّعورَ بالمَسؤولِيَّة التي تُحَتِّم عليهم أن يَتجشَّموا الصِّعاب، ويأمنوا على أنفسهم مصارِعَ االفِتَن، ويَحُثُّوا الهِمَم للجِدِّ في العمَل الشَّريف، ويزرعوا قيمة الأدب أخلاقا وآدابا، قبل الالتزام بقواعده تعبيرا وأداء ..

 وقد اهتم الأستاذ الأديب عبد الله كنون  برسالة الأدب العربي، فذكر ـ في خطابه الذي ألقاه بمؤتمر أدباء العرب بالقاهرة في ديسمبر 1957م بعنوان «النقد والقومية العربية ـ توجيهات قيِّمة فقال :

 (ورسالة الأدب العربي، رسالة مُقَدَّسة يجب ألا تقتصر على الأغراض اللَّفظية، ولا على المُتْعَة الذِّهنية، ولا على المعاني الذَّاتِيَّة التي لا يشعر بها إلا الأديب المُتكلِّم نفسه، إنَّها رسالة ! ومفهوم هذا اللَّفظ ممَّا ينبغي ألا يَعْزُب عن البال، فهو مُهِمَّةٌ تَقْتضي الهَدْم والبِناء، والعمَل الجَماعي المُؤَدِّي إلى الغاية التي أَدَّت إليها رسالة النَّبيئين من قبل، غايتُه فَتْحُ الآذان الصُّم، والأَعْيُن العُمْي، والقُلوب الغُلْف، على دَعْوَة الحَق التي تُنْقِذ البشريَّة من ضَلالها الحديث، كما أَنْقذَتْها بالأمس من ضَلالها القديم، وإنَّها مُقَدَّسة : وليس المراد بهذا الوَصْف مَعْناه الخَيالي الذي يَبْتَذِلُه به الحالمون، وإنَّما المُراد به الإِكْبار من شأن هذه الرِّسالة، ذات المَسْؤولِيَّة العُظْمى، التي لا يَتحَمَّلُها إلا أبطال الكفاح من أجل القِيَم الإنسانِيَّة العُلْيا، فهم والمجاهدون الذين يَزْرى مِدادُ أقلامهِم بدمِ الشُّهَداء) .

 فقد كان يَطْمح إلى أن يؤدِّي الأدب العربي رسالة سامية وهادِفَة، ويَسْتَوفي أغراضه وغاياته النَّبيلة، ويُخاطِب الأمَّة العَربيَّة والإنسانِيَّة جمعاء ويتَّجِه نحو البِناء والتَّأسيس، ويتحَوَّل إلى صرخَة إصلاح وتغيير ذات رسالة تنشر الخير وتَنْتصِر للحَق، والدِّين، والأخلاق، والذَّوق، والجمال، وفي هذا الشأن يقول: (لابدَّ لنا من إعادَة النَّظَر في موادِّه وأُصوله، وتَرْتيبها على حسَب المَقاصِد والأَغْراض، مُجَسِّمين منها كلَّ ما له دَلالة تَطوُّرِيَّة ودعوة تحَرُّرِيَّة، ومًوَضِّحين للأجيال النَّاشِئَة أهدافَ الرِّسالة الإنسانِيَّة، التي يقوم الأدب العربي على حِفْظِها ورِعايتِها، وهِداية البشر إلى ما فيها من خَيْر وسَلام ومعرفة وإيمان)

والى لقاء في حلقة قادمة بإذنه تعالى …

إعداد الأستاذ/ أنس عبد المجيد العقاد

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here