عيون الأمل … بقلم: زيدالحق العقاد

0
359

غرفة واسعة عاجًة بالأضواء وطنين الأجهزة يغزو المكان والمذياع يتحدث: ” وباء كورونا المستجد آخذ في الانتشار والاصابات تقدر بالآلاف” ، منذ أن انتشر الوباء في أرجاء المدينة اتخذ من ذاك المختبر بيتاً له ، شغفه بالعلوم لاسيما علم البيولوجيا جعله منعزلاً عن كل شيء سوى تلك المجاهر بأنواعها المختلفة التي تطوق خياله الأزرق، بل من بعد تلك الفاجعة التي أصابت عائلته لم يطوق الى رؤية العالم الخارجي، وكيف ينسى؟ عندما كانت أمه تصرخ وتلك الصخرة العملاقة وُضعت على رأسها حتى فارقت الحياة، ما زالت صورتها حية في ذهنه، تمنى أن يكون قد مات قبل أن يعيش تلك اللحظة وهو يصرخ: اتركوا أمي!!! اتركوها!!! ، كان هو سندها بعدما توفى والده وسافر أخيه إلى الهند لحصوله على وظيفة هناك، لم يعد هناك شيئاً يفقده بعدما فقد كل شيء، لم يكن يريد شيئاً الآن سوى أن يفعل ما بوسعه لإنقاذ البشرية من خطيئة ارتُكبت ليدفع العالم بأكمله ثمنها، تناول أنبوب الهيدروليك وسكبه على حمض الليمون وهو لا يدرِ ما هدفه من ذلك وأخذ يقول : لماذا الكورونا؟ انها نتاج صنيع البشرية!!! أفنى البشر أعمارهم حروباً لتدمير الانسانية والأرض فقط لأجل المال والثروة، ماذا لو أفنوها لإعمار الأرض؟ لأصبح الكون جميلاً، مشاكل طبقة الأوزون ، احتباس حراري، أوبئة، هذا جميعه نتاج ما نفثته الأسلحة الفتاكة ، انه نتاج صنيعك أيها الإنسان!!! انتهى من سكب الخليط وذهب لتأدية صلاة العصر، بعدما انتهى من صلاته جلس ليتدبر آيات الذكر الحكيم وأخذ يقرأ الفاتحة وانتهى منها وواصل قراءته حتى توقفت نظراته عند الآية رقم مائة وخمسة وخمسين فتفوه قائلاً: ها نحن!!! تلك الآية وحدها أجملت كل شيء في حياتنا، مجرد وباء جعل العالم ينقلب رأساً على عقب وأُصيب العالم بأكمله بحالة من الذعر والخوف، وقع ضحيته الآلاف من البشر هنا وهناك، وقبل شهور كانت تلك الحرائق التي أصابت قارة بأكملها وبسببها غزت المجاعات تلك القارة الصغيرة، ثم تابع تلاوته قائلاً: وبشر الصابرين، ما أروعها !!! فتذكر أمه عندما قالت له قبل أن تفارقه: تجرع الصبر يا بني كما تجرعه عمار بن ياسر رضي الله عنه، وأخذت دموعه تذرف، وتابع تلاوته وكان يشعر بأن كل آية يقوم بتلاوتها كأنها الواقع المُعاش وأخذ يتحدث في نفسه: وهل هناك فاجعة أكبر من ذاك الفراغ الذي ساد أرجاء قبلة المسلمين؟ وأخذ يبتسم متابعاً حديثه: ربما ألهتنا الدنيا عن ذكر الله فكان ذلك ابتلاء كي نعود لله خاضعين له راجين منه الرحمة، أخذ يتلو بصوت ندي حتى تلى الآية رقم مائة وخمسة وثمانين ، تأمل في سقف الغرفة وأخذ أنفاساً عميقة كأنه اشتاق لتلك النسائم الايمانية التي تنبعث من الشهر الفضيل قائلاً: على مشارف الوصول شهرنا المبارك، فجأة أصابت ملامحه الدهشة!!! رجع إلى حيث التقط مشاهد من ذاكرته المأساوية قائلاَ: ” وبشر الصابرين” رقمها مائة وخمسة وخمسين وتلك الآية رقمها مائة وخمسة وثمانين، لحظات دخل صديقيه المختبر، منغ تشو ويانغ منغ، تقبل الله تلاوتك صديقنا الحميم تشاو بون ، أهلا بكما اجلسا، هناك شيء ما لاحظته، تفوها: وما ذاك الشيء يا بون ، أريد أن أحتاج اجابة منكم لمسألة حسابية، أخذ صديقيه بالضحك من طلبه الذي يوحي بأن عبقريته هوت إلى بئر الغباء، ما بك يا صديقنا أنت عبقري العلوم ولا تجيد حل مسألة حسابية؟! أعطنا ما لديك، فقال : اذا أردتُ طرح العدد مائة وخمسة وخمسين من العدد مائة وخمسة وثمانين، كانت اجابتهما في صوت واحد: ثلاثين، فقال: اذن بعد مشيئة الله أتنبأ باندثار ذاك الوباء القاتل في الثالث والعشرين من مارس، أخذ الأول بالضحك واستلقى أرضاً قائلاً: استحوذ الجنون لُبَّ صديقنا، هل هذا ما يفعله شغف العلوم؟! بينما الآخر أخذ منحى الكلام بشيء من الجدية وكانت ملامحه توحي بأنه يريد استجوابه الكثير من الأسئلة قائلاً: ماذا تقصد صديقي، إن الكلمات قد تشابهت علينا فضع النقاط على الحروف كي نستسيغ معانيها ، فقال له بون : ما بين الآيتين ثلاثون ، الأولى تصف حالنا والثانية تصف رمضان الذي في أوج القدوم، عندما يبتلي الله عباده تكن له الغاية من ذلك، فطالما أن الوباء ابتلاء من الله فسيزول بإذنه اذا رجعنا اليه تائبين نادمين راجين منه العفو والرحمة والمغفرة جراء خطايانا وذنوبنا وبهذا سيزول مثلما تزول الخطايا عندما تكثر المحاسن، فرد عليه صديقه: أتريد أن تقول أن بداية اندثار الوباء هو عند الآية رقم ١٥٥ وبها نستشهد بأن ذلك ابتلاء من الله ، فقال له بون: بالطبع، فبدءاً من تلك الآية إلى الآية رقم ١٨٥ ، نكون على مشارف استقبال شهرنا الكريم وبهذا بعد مشيئته تعالى أتنبأ اندثار الوباء قبل ثلاثين يوماً من غرة شهر رمضان المبارك، فردِّ الآخر: وماذا لو طرحت العدد٢٤ من العدد ٢٨، فردَّ عليه بون: أربعة!!! فقال له صديقه: ولماذا لم تتنبأ باندثاره في الثلاثين من أبريل؟ … ربما ، الله أعلى وأعلم ، ولكن رحمة الله التي ترافق شهرنا الكريم أعظم من أن يمنع الوباء البشرية من ممارسة طقوسهم الدينية بسلام في شهر الرحمة والسلام، كل شيء مرتبط بمشيئته تعالى، وما نحن سوى مسيَّرون بحكمته وهذا الكتاب الحكيم علاج يحوي العلاج لكل داء، وبعدما استمع صديقهما تشو لحديثهما أخذ يصفق لهما قائلاً: والآن اثنيهما قد وقعا فريسة للعلوم والبيولوجيا المعقدة، بعدما ذهب كل منهما إلى كرسيه المحفوف بالأنابيب المخبرية وقد تناول كل منهما كأساً من الماء الدافئ المخلوط بالعسل والمضاف إليه القليل من الليمون، وتوالت الأيام ليستيقظ العالم على شعاع الشمس الذهبية التي أنذرت منذ الصباح باندثار ذاك الوباء الذي غزا العالم وقد تداولت وكالات الأنباء: ” حصول العالِم الصيني من أصول عربية فلسطينية ” تشاو بون” جائزة نوبل في العلوم”.

تحليل القصة

” عيون الأمل” كتبتها لطمس تلك النظرة التشاؤمية التي بثها الكاتب الأمريكي دين كونتز في روايته ” عيون الظلام” والتي تنبأ من خلالها بانتشار وباء قاتل للبشرية مصدره مدينة ووهان الصينية وانتشر بعدها للعالم بأكمله، تتحدث قصة عيون الأمل عن عالِم صيني يُدعى ” تشاو بون” من أصول عربية فلسطينية وهو من مسلمي الايغور وهو الناجي الوحيد من عائلته بعد البطش الذي لحق بهم، بعد تلك الفاجعة التي أصابت عائلته، اتخذ مختبره الصغير بيتاً له وانعزل عن العالم الخارجي وأشغل جُل وقته بدراسة علم البيولوجيا هناك، في يوم من الأيام وبعد تأديته صلاة العصر جلس لقراءة القرآن الكريم فبدأ بفاتحة الكتاب ثم واصل قراءته حتى وصل للآية المائة والخمسة والخمسين وشعر بأنها تمس الواقع المُعاش حيث انتشار الأوبئة والمجاعات وموت الآلاف من البشر بسبب الوباء وهذا كله وقد غزا الخوف والذعر العالم بأكمله، بعدما تدبَّر تلك الآية واصل قراءته حتى وصل للآية المائة والخمسة والثمانين التي تتحدث عن شهر رمضان المبارك، حينها توقف وجلس ليتأمل العلاقة بينهما تزامناً مع دخول صديقيه المختبر” تشو ومنغ”، فقال لهما أنه يتنبأ اندثار الوباء في الثالث والعشرين من مارس عندما قام بطرح أرقام الآيتين ليتوصل أنه من الممكن أن يختفي الوباء قبل شهر رمضان المبارك بثلاثين يوماً، حينها قاطعه صديقه منغ قائلاً: وماذا لو طرحنا أرقام الصفحات فنطرح العدد أربعة وعشرين من العدد ثمانية وعشرين وبهذا قد يختفي الوباء في الثلاثين من أبريل، فقال له أن رحمة الله بعباده أعظم من أن يمنع الوباء البشر من ممارسة طقوسهم الدينية بأمان في شهر الخير والبركة، ثم ذهب كل منهما إلى عمله واحتسيا مشروبهما المفضل الذي يحتوي الماء الدافئ المضاف اليه العسل والقليل من الليمون، وتمر الأيام ويستيقظ العالم على أنباء باختفاء ذاك الوباء ليحصل بعدها العالِم الصيني من أصول عربية فلسطينية ” تشاو بون” على جائزة نوبل للعلوم.

أتمنى أن تكون قد نالت اعجابكم… وأستقبل ملاحظاتكم وانتقاداتكم في الرابط أدناه

https://www.sarhne.com/zaidel-haqq

الكاتب الشاب: زيد الحق زياد العقاد

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here