قصة قصيرة بقلمي / أشرف عبد القادر العقاد

0
174

أسامه النجار (ثورة وطن)

في أحد أيام الانتفاضة الأولى، بالتحديد في الثاني من شهر آب/أغسطس أحد أيام صيف 1992، إشارة تصل إلى مكتب ضابط الشاباك المناوب في مدينة خانيونس ، مفادها أن قائد المخربين الذي يُعتبر أكثرهم سرية وكتمان ، وهو من نفذ هجمات ضد مواطنين(مستوطنين) وجنود اسرائيليين ، بحسب جهاز الشاباك ، الذي كان يستعمل أرقى وسائل التكنولوجيا وطابور من العملاء وذلك كله من أجل رصد الثوار واعدامهم ، مقابل قدرات متواضعة على التخفي والتمويه والأسلحة البسيطة لدى الثوار وخصوصاً المطاردين ، للأسف تم رصد ذلك الثائر المطارد عندما تواجد في أحد البيوت بل في عرينه في منطقة المحطة أحد أحياء مدينة خانيونس، من أوصل الاشارة لم يكن دقيق لأن المطارد لم يكن وحده بل رافقه مطارد أخر ، كان لناشطي الانتفاضة خطة تمويه استخدمها المطاردان ، وهي دخول البيت متفرقين واحد تلو الأخر و لهذا السبب تم رصد أحدهم دون الأخر ، على الفور تم إشعار الحاكم العسكري من قبل ضابط الشاباك ، اجتماع طارئ في غرفة العمليات دعا اليه الحاكم العسكري كلاً من قادة الجيش ، ضباط من الشاباك ، مسؤول وحدة الاغتيالات شمشون (المستعربون) . ثلاثون دقيقة كانت كافية لوضع خطة محكمة لمهاجمة البيت ، وقتل الهدف بقيادة الشاباك الذى أعطى الأوامر لكافة العناصر إلى تصفية المخرب حتى لو خرج مستسلم ، ليكون عبرة لمن يفكر بأن يطلق نار على قوات الجيش ، وكذلك القضاء على ظاهرة حمل السلاح ، ولجم الانتفاضة و اخمادها قبل أن تتحول من انتفاضة الحجارة إلى انتفاضة مسلحة . بدأت ساعة الصفر لتعلن عن بدء معركة الغدر، تحركت القوات نحو الهدف ، كان يبعد عن مقر الحاكم العسكري بأقل من كيلو متر، ذلك الهدف الذي تحدثوا عنه في اجتماعهم كان المطارد البطل أسامة محمد النجار ، والذى تسلل في جنح الظلام نحو العرين لأخذ قسط من الراحة ، ومن ثم تبعه صديقه الصقر أنور زرعي اصليح ، بعد تفقد الصقرين لأحياء خان يونس ، وبعد ساعة من التشاور بين القياديين في أمور تخص المقاومة ، أشارت عقارب الساعة إلى الثامنة ليلاً ، أمور غريبة وليس كالمعتاد لفتت انتباه أسامه ، كان لديه قوة كبيرة في الذكاء والفطنة ، كما أنه كان يتمتع بحس أمني عالي ، صوت عربات لجيش الاحتلال أخذت تصنع ضجيج في المكان اختلطت مع صوت مكالمات للجيش عبر أجهزة لاسلكي ، أضواء كشافات صنعت أعمدة من النور في سماء خانيونس ودوائر ساطعة على جدران أسطح المنازل ، لم تكن الحركة كالمعتاد ، كانت حملة عسكرية بهدف تصفية أسامة ، تكونت من قوات النخبة ، جنود مدججين بالأسلحة ، قناصة أخذوا لهم مواقع فوق أسطح المنازل المجاورة و الملاصقة للمنزل المتواجد به النجار ورفيقه ، عشرات الجيبات العسكرية صنعت كمائن في جميع طرقات خانيونس خصوصاً منطقة البلد ، سيارات مدنية يستقلها مستعربون من قوات شمشون الحقيرة التي شكلها الشاباك ، الهدف منها اغتيال مطاردين ونشطاء الانتفاضة من ملثمون كان عملهم كتابة الشعارات على الجدران أوحتى أطفال كانوا يرجمون جيبات الاحتلال بالحجارة ، هكذا بدى المشهد في محيط البيت الذى تواجد به أسامة وأنور، أما داخل البيت كان يتواجد بطلين لديهم عزيمة واصرار مستمدة من الايمان بقضاء الله و قدره ، امتلكا سلاح بسيط قطعتين من كلاشنكوف والقليل من الذخيرة . جيش الاحتلال أصدر أوامره للسكان عبر مكبرات الصوت بنداءات عدم التجول ، حينها شعر سكان المنطقة بالرعب بعدما أيقنوا أنهم سيعيشون ليلة صعبة ، وأنهم سيواجهون اقتحامات للبيوت واعتقالات للشبان ، أُغلقت الشبابيك وأُطفئت الأنوار ، وبدأ الصمت والخوف والترقب ، هكذا صدقت الجملة الشهيرة (هدوء ما قبل العاصفة) ، أدرك البطل أسامة أن المعركة لم تكن متكافئة عسكرياً ، قرر أن ينتقل إلى بيت مجاور، وأمر مرافقه بالانسحاب من المكان ، أنور رفض الانسحاب وقرر البقاء والمواجهة بجانب القائد أسامة، أنور الذى كان يلقبه جيش الاحتلال بأنه( صاحب سبع أرواح)، قوات الاحتلال كانت سريعة الانتشار والتمركز في منطقة الحدث هذا جعل البطلين أن يختارا المقاومة إما النصر أو الشهادة ، فكانوا في المعركة خير الرجال وأعظم الجند ، حاولت عناصر من قوات العدو أن تعثر على ثغرة تمكنهم من دخول البيت ، غير أن محاولاتهم أخفقت لأنهم كانوا يواجهون أبطال لديهم الكثير من الجرأة في المواجهة ، وليس لديهم ما يخافون عليه ، أنهم يفضلون المقاومة حتى الموت على الاستسلام ، يطلقون الرصاص بحكمة ، حينها شعر قائد وحدة الجيش أن الاقتحام لن يكون سهل ، لقد تملكته الدهشة والحيرة عن عدد المطاردين بالداخل ، المعلومات التي لديه تقول أنه مطارد واحد ، لكن ما راقبه بعينه يؤكد على وجود أكتر من واحد ، فما كان منه إلا أن يجد خطة بديلة وهي استدراج المطاردين لإطلاق المزيد من الرصاص ، كان الهدف استنفاد ذخيرتهم ثم الانقضاض عليهم بكل سهولة . بعد ساعات من القتال تحقق حلم قائد جيش العدو ، بالفعل نفدت الرصاصات وأصبح سلاح أنور خالٍ ، كانت الذخيرة محدودة ، أسامة لا يمكنه في تلك الظروف التواصل مع المقاومة لطلب امداد وذخيرة بعدما أصبح يملك رصاصات معدودة ، كان قرار أسامه حكيماً وهو الانسحاب ، ومن ثم الرجوع للمواجهة مرة أُخرى بعد الحصول على المزيد من الرجال والذخيرة ، فقرر أن يعتمد على تكتيك ( الكر والفر) ، طلب أسامة من أنور أن ينسحب ، لا فائدة من البقاء دون ذخيرة ، أنور و بذكاء وجد ثغرة في قوات العدو المحاصرة مكنته من الانسحاب بسلام ، كان من المفترض أن يتبعه أسامة وينسحب هو الأخر ، إلا أنه في اللحظة الأخيرة ومن خلال نافذة لمح خيال لجندي فوق سطح لمنزل ملاصق ، كان أسامه في الأسفل والجندي في الأعلى ، كان صيد لقناص ماهر ، تمكن من قنصه بكل سهولة ، الجندي كان يقف على حافة سطح لطابق علوى مكون من ألواح أسبست ، فتهاوى الجندي أسفل بالقرب من أسامه حينها قرر مواصلة المعركة بعد اغتنامه لسلاح الجندي وذخيرته ، وأطلق النار باتجاه كل خيال يراه ، كان مقاتل شرس تدرب جيدا على إطلاق النار عندما كان شرطي أمن في الشرطة المدنية التي كانت تتبع للاحتلال قبل اندلاع انتفاضة الحجارة ، والتي قدم أفرادها استقالتهم بناء على طلب من القيادة الموحدة للانتفاضة ، أسامة كان أول المتقدمين للاستقالة ، بعد ذلك انضم للعمل الوطني مع رفاقه ، وقاد الكثير من عمليات اطلاق نار باتجاه دوريات للاحتلال ، فكان سبباً لمطاردته من قبل الاحتلال. قائد العملية تفاجأ بغزارة النيران ، فتيقن أنه يوجد أكثر من مخرب داخل المنزل ، وما كان منه إلا أن طلب تعزيزات اضافية ومساعدة من سلاح الجو ، على الفور مروحية عسكرية حضرت إلى المكان ، و أخري لنقل المصابين حطت بالقرب من المعركة ، وما أن وصلت الطائرة المقاتلة ،أصبع موقف أسامة صعب ، الجيش يطلق النار من فوق أسطح المنازل المجاورة ومن خلال الطائرة ، أصبح الرصاص يتطاير وكأن نار ترمي بالشرر من خلال نوافذ البيت ، شعر قائد الوحدة الاسرائيلية بالقوة مع حضور المروحية فقرر أن يقتحم المنزل ، تقدم الجنود حتى وصل لبوابة البيت المحكمة ، أخيراً تم تحطيمها بواسطة المتفجرات ، قائد الجيش ومعه جنود من النخبة وبحذر دخلوا البيت ، دقيقة واحده و كانت المفاجأة ، وابل من النيران الصديقة التي اغتنمها أسامة من الجندي القتيل ، أصابت رصاصاتهم قائد الوحدة وعدد من الجنود بإصابات بالغة ، الجيش جن جنونه ، طلب من قائد المروحية أن يطلق النار بغزارة ، وكذلك من القوات المتمركزة فوق أسطح المنازل القريبة ، والهدف قتل من بداخل الغرف و إرباك من بقوا أحياء كانوا يعتقدون أن أكثر من مقاتل داخل البيت ، ولكن دائماً كنا نقول( الكثرة تغلب الشجاعة )، للأسف تمكن الجنود من الدخول للمنزل ، ومن مسافة صفر تقابلا الجبناء وجها لوجه مع البطل أسامه الذى أطلق رصاصاته الأخيرة فأصاب بها العديد من الجنود ، لكن الغلبة كانت للأكثر ذخيرة وعدد ،أصابت رصاصتهم الحاقدة جسد البطل وخرجت روحه معلنة استشهاد بطل مغوار، قاد معركة دامت ساعات مع قوات الاحتلال المدججة بالسلاح والعتاد ، والتي اعتبرت من أضخم العمليات في الانتفاضة الاولى ، قاتل البطل حتى قُتل ، مهمته انتهت عند هذا الحد ، عمل كل ما بوسعه قاتل بجدارة ، وما بقي إلا أن يستلم جائزته أن ينال الدرجات العلى في جنات عدن وذلك هو الفوز الكبير ، بعد هذه المعركة لم يجرؤ الاحتلال على اقتحام بيوت يتحصن بها مقاومون ، وقرر قصف أي بيت يتحصن به مقاوم بواسطة الطائرات الحربية ، وهدم المنزل على من بداخله تجنباً للخسائر بين صفوف جنوده ، هكذا انتهت مسيرة الصقر المجاهد البطل أسامه النجار الذى علم جنود العدو الذين شاركوا في المعركة درسا لن ينسوه ما بقوا أحياء . سلام لروحك الطاهرة أيها القائد العملاق ، ها أنت سطرت بدمائك تاريخ عز وافتخار ، سلامٌ عليك وأنت في الملأ الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا ،المجد والخلود للشهداء ، المجد للشهيد أسامه النجار والخزي والعار لمن رصدوا خطاه وقدموا رأسه هدية للغرباء المحتلين … سنبقى على أرضنا حتى نحقق النصر والتحرير.

22/7/2019

إهداء: إلى روح الشهيد أبو عمار ، إلى روح الشهيد أسامة محمد النجار إلى روح الشهيد أنور زرعي صليح ، إلى روح الشهيد نور الدين شريف العقاد إلى كل شهداء الوطن … رسالتي : إلى كل شريف وغيور على وطنه ، إلى المقاومين المرابطين على الثغور ، ابقوا عيونكم مفتوحة على عدوكم ، المعركة لن تنتهي بعد ، والصراع طويل، هذه الأرض المباركة أمانة في أعناقكم فلا تضيعوها. حتي لو تفوق علينا العدو بالسلاح فلن نستسلم ، أسلحته الفتاكة لن تخيفنا ، لن تقوَ على إبادتنا ، ولن تُخمد مقاومتنا ، لن تُخرس ألسنتنا ولن توقف أقلامنا عن الكتابة ، وسنُثبت للعالم الحر أن الشعب الفلسطيني عملاق وقادر وجبار، سيقضى على حكم الجبناء ، وسيزول يوماً ملكهم الطاغي ، وسيكون مصيرهم الحتمي هو السقوط و الزوال . ثورة حتى النصر… أخوكم أشرف العقاد*

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here