قصة قصيرة بقلمي / أشرف عبد القادر العقاد

0
812

إهـداء:
إلى الثائرين الذين لم يولدوا بعد…
إلى كل شرفاء الوطن…
إلى روح الشهيد أبي عمار.
إلى روح الشهداء:
أسامة محمد النجار. أنور زرعي اصليح. نور الدين شريف العقاد
__________________

في أحد أيام الانتفاضة الأولى، بالتحديد في الثاني من شهر آب/أغسطس أحد أيام صيف اثنين وتسعين وتسعمائة وألف، إشارة تصل إلى مكتب ضابط الشاباك المناوب في مدينة خانيونس، مفادها أن قائد المطاردين الذي يُعتبر أكثرهم سرية وكتمان، وهو من نفذ هجمات ضد مواطنين(مستوطنين) وجنود إسرائيليين، بحسب جهاز الشاباك، الذي كان يستعمل أرقى وسائل التكنولوجيا وطابور من العملاء وذلك كله من أجل رصد الثوار وإعدامهم، مقابل قدرات متواضعة على التخفي والتمويه والأسلحة البسيطة لدى الثوار وخصوصاً المطاردين، للأسف تم رصد ذلك الثائر المطارد عندما تواجد في أحد بيوت منطقة السكة أحد أحياء مدينة خانيونس، من أوصل الإشارة كان دقيق لأن المطارد تواجد بالفعل في ذلك البيت، على الفور تم إشعار الحاكم العسكري من قبل ضابط الشاباك، اجتماع طارئ في غرفة العمليات دعا إليه الحاكم العسكري كلاً من قادة الجيش، ضباط من الشاباك، مسؤول وحدة الاغتيالات شمشون (المستعربون) .
ثلاثون دقيقة كانت كافية لوضع خطة محكمة لمهاجمة البيت، وقتل الهدف بقيادة الشاباك الذى أعطى الأوامر لكافة العناصر إلى تصفيت المطارد حتى لو خرج مستسلم، ليكون عبرة لمن يفكر بأن يطلق نار على قوات الجيش، وكذلك القضاء على ظاهرة حمل السلاح، ولجم الانتفاضة وإخمادها قبل أن تتحول من انتفاضة حجارة إلى انتفاضة رصاص ونار .
بدأت ساعة الصفر لتعلن عن بدء معركة الغدر، تحركت القوات نحو الهدف، كان يبعد عن مقر الحاكم العسكري بأقل من كيلو متر، ذلك الهدف الذي تحدثوا عنه في اجتماعهم كان المطارد البطل أسامة محمد النجار، والذى تسلل في جنح الظلام نحو العرين؛ بيت تعود ملكيته لأحد أبناء عائلة شراب، (المناضل غازي راغب شراب؛ الذي كان في ذلك الوقت من رجال الإصلاح في مدينة خانيونس، بعد إنتهاء العملية؛ اعتدى عليه الجنود بالضرب، واعتقلوا ابنه المناضل محمد غازي شراب، وحُكم عليه بالسجن عشرة سنوات؛ بتهمة مساعدة وإيواء مطلوبين، وتم إغلاق البيت مسرح العملية من قبل قوات الاحتلال إلى إشعار آخر)، أسامة تواجد بهدف التشاور مع رجل الإصلاح غازي شراب في إيجاد حل لمشكلة عائلية وقعت آنذاك؛ هذا كان من ضمن الأعمال النبيلة لمطاردين الانتفاضة؛ المساعدة في حل المشاكل العائلية بالإضافة إلى أعمال المقاومة، وأعمال أخرى.
أشارت عقارب الساعة إلى الثامنة ليلاً؛ كان على أسامة أن يتواصل مع المطارد البطل أنور اصليح ومطاردين آخرين؛ تواجدوا في بيت لا يبعد كثير عن البيت المتواجد به أسامة، ليعملوا سوياً على حل تلك المشكلة، ولكن أرادت الظروف ولم يتمكن أسامة من الوصول لرفاقه وبقي وحيداً، أمور غريبة لفتت انتباهه وليس كالمعتاد، كان لديه قوة كبيرة في الذكاء والفطنة، كما أنه كان يتمتع بحس أمني عالي، صوت عربات لجيش الاحتلال أخذت تصنع ضجيج في المكان، اختلطت مع صوت مكالمات للجيش عبر أجهزة لاسلكي، أضواء كشافات صنعت أعمدة من النور في سماء خانيونس ودوائر ساطعة على جدران المنازل، لم تكن الحركة كالمعتاد، كانت حملة عسكرية بهدف تصفية أسامة، تكونت من قوات النخبة، جنود مدججين بالأسلحة، قناصة أخذوا لهم مواقع فوق أسطح المنازل المجاورة والملاصقة للبيت المتواجد به النجار، عشرات الجيبات العسكرية صنعت كمائن في جميع طرقات خانيونس خصوصًا منطقة البلد والسكة والمحطة، سيارات مدنية يستقلها مستعربون من قوات شمشون الحقيرة التي شكلها الشاباك، الهدف منها اغتيال مطاردين ونشطاء الانتفاضة من ملثمون كان عملهم كتابة الشعارات على الجدران أو حتى قتل أطفال كانوا يرجمون جيبات الاحتلال بالحجارة، هكذا بدا المشهد في محيط البيت الذى تواجد به أسامة، أما داخل البيت كان يتواجد بطل لديه عزيمة وإصرار مستمدة من الإيمان بقضاء الله و قدره، امتلك سلاح بسيط بندقية من نوع كلاشنكوف والقليل من الذخيرة .
جيش الاحتلال أصدر أوامره للسكان عبر مكبرات الصوت بنداءات عدم التجول، حينها شعر سكان المنطقة بالرعب بعدما أيقنوا أنهم سيعيشون ليلة صعبة، وأنهم سيواجهون اقتحامات للبيوت واعتقالات للشبان، أُغلقت الشبابيك وأُطفئت الأنوار، وبدأ الصمت والخوف والترقب، هكذا صدقت الجملة الشهيرة (هدوء ما قبل العاصفة)، أدرك البطل أسامة أن المعركة لم تكن متكافئة عسكرياً، قرر أن ينتقل إلى بيت مجاور حتى يتمكن من الانسحاب، ولكن محاولته لم تنجح، قوات الاحتلال كانت سريعة الانتشار والتمركز في منطقة الحدث مما جعل البطل أن يختار المقاومة إما النصر أو الشهادة، فكان في المعركة خير الرجال وأعظم الجند، حاولت عناصر من قوات العدو أن تعثر على ثغرة تمكنهم من دخول البيت، غير أن محاولاتهم أخفقت لأنهم كانوا يواجهون بطل لديه الكثير من الجرأة في القتال، وليس لديه ما يخاف عليه، أنه يفضل المقاومة حتى الموت على الاستسلام، يطلق الرصاص بحكمة! حينها شعر قائد وحدة الجيش أن الاقتحام لن يكون سهل، لقد تملكته الدهشة والحيرة عن عدد المطاردين بالداخل، المعلومات التي لديه تقول أنه مطارد واحد، لكن ما راقبه بعينه يؤكد على وجود أكثر من واحد! فما كان منه إلا أن يجد خطة بديلة وهي استدراج المطاردين لإطلاق المزيد من الرصاص، كان الهدف استنفاد ذخيرتهم ثم الانقضاض عليهم بكل سهولة؛ (اعتقد قائد العملية أنه يوجد أكثر من مطارد داخل البيت، الحرب خدعة، إطلاق أسامة نيرانه من عدة محاور جعلت العدو في حالة تخبّط ).
بعد ساعات من القتال تحقق حلم قائد جيش العدو، بالفعل نفدت الرصاصات وأصبح سلاح أسامة معبّأ بالقليل من الرصاص، كانت الذخيرة محدودة، أسامة لا يمكنه في تلك الظروف التواصل مع المقاومة لطلب إمداد وذخيرة بعدما أصبح يملك رصاصات معدودة، كان قرار أسامة حكيماً، محاولة أخرى للانسحاب، ومن ثم الرجوع للمواجهة مرة أخرى بعد الحصول على المزيد من الرجال والذخيرة! فقرر أن يعتمد على تكتيك ( الكر والفر)! لا فائدة من البقاء دون ذخيرة، إلا أنه في اللحظة الأخيرة ومن خلال نافذة لمح خيال لجندي فوق سطح منزل ملاصق، كان أسامة في الأسفل والجندي في الأعلى، كان صيد ثمين لقناص ماهر، تمكن من قنصه بكل سهولة، الجندي كان يقف على حافة سطح طابق علوي مكون من ألواح أسبست، فتهاوى الجندي أسفل بالقرب من أسامة حينها قرر مواصلة المعركة بعد اغتنامه سلاح الجندي وذخيرته! أطلق النار باتجاه كل خيال يراه، كان مقاتل شرس تدرب جيدًا على إطلاق النار عندما كان شرطي أمن في الشرطة المدنية التي كانت تتبع للاحتلال قبل اندلاع انتفاضة الحجارة، والتي قدم أفرادها استقالتهم بناء على طلب من القيادة الموحدة للانتفاضة، أسامة كان أول المتقدمين للاستقالة، بعد ذلك انضم للعمل الوطني مع رفاقه، وقاد الكثير من عمليات إطلاق نار باتجاه دوريات للاحتلال! فكان سبباً لمطاردته من قبل الاحتلال.
قائد العملية تفاجأ خدعته غزارة النيران، فتيقن أنه يوجد أكثر من مقاتل داخل المنزل، وما زاد خوفه عندما تلقى إشارة أنه يوجد إطلاق نار على أفراد القوة من مكان مقابل لمكان العملية، القائد أمر جنوده التعامل مع مطلقي النار بكل قوة وشراسة، إنها نيران أنور ورفاقه؛ حاولوا أن يساعدوا أسامة؛ أطلقوا الرصاص باتجاه العدو؛ أرادوا أن يربكوا العدو، بعد إصابة جنوده بالرصاص، ومن ثم يتمكنوا من فتح ثغرة تُمكن أسامة من الانسحاب، محاولتهم تعقدت؛ بعد إصابة قائد العملية بالهلع؛ نار من هنا ونار من هناك؛ طلب من القيادة بأن ترسل تعزيزات إضافية ومساعدة من سلاح الجو، على الفور مروحية عسكرية حضرت إلى المكان، و أخرى لنقل المصابين حطت بالقرب من المعركة، وما أن وصلت الطائرة المقاتلة، أصبح موقف أسامة صعب، الجيش يطلق النار من فوق أسطح المنازل المجاورة ومن خلال الطائرة، أصبح الرصاص يتطاير وكأن نار ترمي بالشرر من خلال نوافذ البيت، شعر قائد الوحدة الإسرائيلية بالقوة مع حضور المروحية فقرر أن يقتحم البيت، تقدم الجنود حتى وصل لبوابة البيت المحكمة، أخيراً تم تحطيمها بواسطة المتفجرات، قائد الجيش ومعه جنود من النخبة وبحذر دخلوا البيت، دقيقة واحدة وكانت المفاجأة، أسامة يصيح بأعلى صوته الله أكبر ويطلق وابل من النيران الصديقة التي غنمها أسامة من الجندي القتيل، أصابت رصاصاتهم قائد الوحدة وعدد من الجنود بإصابات بالغة، الجيش جن جنونه، طلب من قائد المروحية وكذلك من القوات المتمركزة فوق أسطح المنازل القريبة أن يطلقوا النار وبغزارة، (دائماً نقول الكثرة تغلب الشجاعة)، للأسف تمكن الجنود من دخول المنزل، ومن مسافة صفر تقابل الجبناء وجهاً لوجه مع البطل أسامة الذى أطلق رصاصاته الأخيرة فقتل وأصاب بها العديد من الجنود، كان صوت رصاص أسامة يختلط مع تكبيراته سمعها جند العدو فولدت في قلوبهم الرعب؛ وسمعها السكان ومن مسافات بعيدة فولدت في قلوبهم الطمأنينة؛ مع أنهم كانوا لا يعرفون صاحب هذا الصوت، إلا أنهم دعوا له بالثبات والتمكين، أيقنوا أنه مقاوم للاستعباد مطالب للعدالة والحرية، للأسف الغلبة كانت للأكثر غدر وهمجية في العالم، أصابت رصاصتهم الحاقدة جسد البطل النجار وخرجت روحه معلنة استشهاد بطل مغوار، قاد معركة دامت ساعات مع قوات الاحتلال المدججة بالسلاح والعتاد، والتي اعتبرت من أضخم العمليات في الانتفاضة الأولى، قاتل البطل حتى أُستشهد، مهمته انتهت عند هذا الحد، عمل كل ما بوسعه، قاتل بجدارة، وما بقي إلا أن يستلم جائزته أن ينال الدرجات الْعُلَا، في جَنَّاتُ عَدْنٍ، – ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ-، بعد هذه المعركة التي لم يعهد لها مثيل لم يجرؤ الاحتلال على اقتحام بيوت تحصن بها مقاومون، وقرر قصفها بواسطة الطائرات الحربية، وهدم البيت على من بداخله تجنباً للخسائر بين صفوف جنوده، هكذا انتهت مسيرة الصقر المجاهد البطل أسامة النجار الذى علّم جنود العدو الذين شاركوا في المعركة درساً لن ينسوه ما بقوا أحياء.
سلام لروحك الطاهرة أيها القائد العملاق، ها أنت سطرت بدمائك الطاهرة تاريخ عز وافتخار، سلامٌ عليك وأنت في الملأ الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء – وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا -، المجد والخلود للشهداء، المجد للشهيد أسامة النجار والخزي والعار لمن رصدوا خطاه وقدموا رأسه هدية للغرباء المحتلين …
سنبقى على أرضنا حتى نحقق النصر والتحرير.
بقلم/أشرف عبد القادر العقاد
22/7/2019
————-

رسالتي :
إلى كل شريف غيور على وطنه، إلى المقاومين المرابطين على الثغور، أبقوا عيونكم مفتوحة على عدوكم، المعركة لن تنتهي بعد، الصراع طويل، هذه الأرض المباركة أمانة في أعناقكم فلا تضيعوها.
حتى لو تفوق علينا العدو بالسلاح، لن نستسلم، أسلحته الفتاكة لا تخيفنا، لن تقوَ على إرادتنا، ولن تخمد فينا روح المقاومة.
أقلامنا ستظل معبأة بالحبر حتى لو نفد الحبر، سنواصل الكتابة بدمائنا، سنُثبت للعالم الحر أن الشعب الفلسطيني عملاقًا قادرًا جبارًا، سيقضى على حكم الجبناء، سيزول يوماً ملكهم الطاغي، وسيكون مصيرهم الحتمي هو السقوط و الزوال .
وإنها ثورة حتى النصر…
أخوكم/ أ. أشرف عبدالقادر العقاد

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here