رواية – على ضفاف النيل التقينا(1-2)

0
316

الفصل الأول

أجمل شعور كان يرافقه عندما ينام بين أحضان حنانها تلك اللحظة لا يضاهيها أي شئ حتى دمياته الصغيرة التي يلهو بها طوال وقته بينما تحضِّر له أمه فطوره بكل حب وسرور.

يستيقظ حافِظ كل صباح من نومه على ترانيم عصفوره الصغير الذي يشدو بتغريداته الضاحكة بعد أن تفتح أمه نافذة غرفته فتعانق أشعة الشمس المموَّجة عينيه وتسلب منهما النوم ، تقوم بتجهيز ملابسه أمه الحنونة استعداداً للذهاب لمدرسته حيث أنًّه يدرس في مدرسة ميسورة الحال في قريته الصغيرة حيث يقطن فيها منذ نعومة أظافره وهو بالصف الأول ولم تكن له فكرة مملة مكوثه فيها حتى أربع سنوات فكلًّ يومٍ يُقبل إليها مُبتهجاً كي ينعم بزهور بستانها الفاتنة التي تجذبه بصفوِ عبيرها الفوًّاح، وبعد أن يلبس حقيبته يقفز سُلَّم بيته كطائر النورس ذاك الأمر الذي يجعل أمه غاضبة منه قليلاً لئلا يسقط أثناء قفزه فيتأذًّى فتقول له:  تخلى عن شقاوتك قليلاً يا بُنيّ، فتذهب أمه بعد أن يجتاز السُّلم بسلام إلى شرفة البيت ويشاور لها وتبادله الإشارات : إلى اللقاء عزيزي إني أنتظرك كي تأكل الكيك التي تحبها سأقوم بإعدادها لك، ويذهب بضحكاته الخجولة إلى عروسه التي ترافق أحلامه البريئة كل ليلة، دخل الفصل بكل حيوية وشغف وجلس في مقعده الأول ولمح على السبورة عبارة بدت وكأنها جذبت بألوانها الساحرة نظراته لقراءتها “الأمُ مدرسةٌ إذا أعددتها… أعدت شعباً طيب الأعراق” ، ياااااه اليوم هو يوم الأم فعلاً ما أروعها من صدفة سأقوم بشراء هدية لها من مصروفي بعد الانتهاء من دوامي، ولكن ماذا يمكنني أن أهديها، لا شئ يضاهي ما أهدتني له مهما قمت باهداؤها، وأخذ يتذكر تلك اللحظات عندما توفي والده وهو في السابعة من عمره اعتنت به وكانت كل شئ في حياته وتكفَّلت بتعليمه وعوًّضته عن تلك الدموع التي تبللت بها وسادته الصغيرة وكيف يمكن أن ينسى عندما كانت تدافع عنه وتحميه عندما كان يتشاجر مع أطفال الحي الذين يمضي وقته باللعب معهم أو حتى عندما يسخروا منه بأن ملابسه دائماً متسخة، كلماتهم التي ثقبت أذنيها جعلها تتخلًّى عن خاتمها الذي أهداها إياه والدها يوم زفافها وما زالت لمساته عليه بل هو الذكرى الوحيدة منه بعد أن فارقها فقامت ببيعه ووهبت أمواله في سبيل تحقيق الرفاه لصغيرها حتى لا تكسر خاطره كلمة يتفوَّه بها أقرانه من الذين يمضي وقته معهم،وبعد الانتهاء من تلقِّ دروسه دقًّ جرس المغادرة فأخذ يجري كي يلحق بهدية مميزة قبل أي أحدٍ من أفراد مدرسته حيث كان باعة الهدايا يصطُفُّون على باب مدرسته، قام بشراء هديته وأخذ يجري والشغف يملأ روحه البريئة وقفزاته أشبه بعصفور يحلق مبتهجاً في السماء، وصل الى البيت وقبَّل يد أمه وأهدى لها هديته والسعادة تضحك في عيونه وقال لها : اليوم هذه هديتي لكِ لكن ماذا ستهديني يوم ميلادي؟، فقالت: سأهديك عينيَّ يا صغيري وأخذ يتناول الكيك من يديها الناعمتين ، وذهب لغرفته ليذاكر دروسه بعد أن تناول كأس الشاي الدافئ الذي تضعه أمه على مكتبه ويؤانس وحدته أضواء الشموع المتوهجة التي تحتضنها ظُلمة الليل الموحشة حيث كانت أحوال قريته ميسورة لا تسمح بمجئ الكهرباء طوال اليوم, الأمر الذي دفع أمه لشراء نظارة له بعد أن كان يشتكي قليلا من ألم في عينيه ، وأثناء دراسته يسرح قليلاً بألحانِ قطرات المطر التي تطرب مسمعه بين الفينة والأخرى حيث كانت تلك آخر ليلة ماطرة، وتوالت الأيام وجرى الزمان كالقطار وبعدما تزينت الأرض بأعشاب خضراء بعد هطول الأمطار الرقيقة ،استعدت الزهور البيضاء تنثر سحرها الدافئ الذي تحتضنه مملكة النحل كل موسم ، وانتقل حافِظ إلى المدينة مع أمه تاركاً ذكريات الطفولة اليافعة على جدران مدرسته حيث أصبح في المرحلة الإعدادية ولم تكن في قريته سوى مدرسة واحدة للابتدائية، شرعت أطياف المسؤولية تستوطن كيانه بعد ضحكات الطفولة ، كلَّ يوم قبل الذهاب لمدرسته يذهب للسوق ليشترِ لأمه الأصناف التي كتبتها له ، وبعد الانتهاء من مهمة التسوق اليومية يذهب لمدرسته وفي الطريق يعجُّ صدره برائحة فطائر السبانخ اللذيذة التي تعدُّها له حيث كانت تلك وجبته المفضلة، وكان كالعادة عندما يعود للبيت يقذف بحقيبته إلى الأريكة ويُقبِل على غذاء أمه الذي أعدَّته له ثم يذهب لغرفته كي يرافق كتبه طيلة اليوم, الأمر الذي جعل ألم عينيه يشتد عليه شيئا فشئ حتى أنًّه في إحدى الليالي احتل رأسه صداع عنيف اضطر على أثره الذهاب للمشفى وبعد إجراء الفحوص اللازمة استلزم الأمر من الأطباء إجراء عملية جراحية له في عينيه حيث كان فيهما ورم في قرنيته جعله يفقد القدرة على الرؤية تدريجياً لكن بعد عملية تكللت بالنجاح شعر بتحسن طفيف أيام معدودة ثم تفاقمت الأزمة على عينيه مرة أخرى واضطَّر للرجوع إلى سريره بالمشفى حيث كان لم يحتمل آلامه فعانق عُباب الغيبوبة،ولم تكن أمام مسؤولية الأطباء أدنى فرصة للتعامل معه حيث فاقت الأزمة حدودها وجهود الأطباء الحثيثة لم تجدِ نفعاً ،مضى يومان وهو كالجُّثة الهامدة على سريره وأصوات الأجهزة التي تثقب عينيه الصغيرتين بدت كضجيجِ المدينة، كانت أمه في البيت تجلس على كرسيها المعتاد وتتلو آيات من القرآن الكريم وتحتضن اسمه بين طيَّات دعواتها الحنونة إلى أن عانقت نسائم الفجر أرجاءَ المدينةِ وعلت صيحات الديوك وتسللت خيوط الشمس الرقيقة من خلال النافذة لترسم أطيافها على جدران الغرفة، فذهبت للمشفى ورأت الطبيب رامز واقفاً بجانب سرير ابنها وتستوطن الحيرة ملامحه ووقفت قبل أن يدرك وجودها بضعة ثوانٍ وبدت علامات القلق تسكن قلب أمه ونظراتها تعمُّ المكان وكأنها تنتظر بشرى تسعد قلبها، لكن قال لها بكل أسف:  لم يعد بإمكاننا فعل أي شئ لإنقاذه سوى زراعة قرنية له ولن يتم ذلك إلا إذا تبرع أحدهم بعينيه لأجله ، جلست أمه بجانبه وعينيه مثقوبتين وقالت بصوت نحيبها المؤلم والدموع تفيض من عينيها : غداً هو عيد ميلادك متى ستنهض وتذهب معي للبيت كي أعدَّ لك الكيك التي تحبها ونحتفل معاً؟، ومرَّت ساعات الليل المؤلمة التي رافقت صدرها المشجون وبزغ نسيم الفجر وأبكرت العصافير على أرزاقها والوحدة تحتل ذاك البيت الحزين الذي فارقته ضجيج الحياة التي كانت تغمر حياة حافِظ ، ذهبت الأم للمشفى كي يطمئن قلبها على ابنها لكن أصيبت بالانهيار بعدما أخبرها الأطباء بأن حالته تزداد سوْءاً ويجب أن يجرِ عملية زراعة قرنية في عيونه وإلا سيكون قد فات الأوان فقرَّرت بلا شك أن توهب عينيها لصغيرها كهدية لعيد ميلاده وكيف تنسى وعدها له منذ أربعة سنوات عندما سألها عن هدية عيد ميلاده وهو صغير ، لم تكن حزينة بذلك بل كانت في غاية السعادة بأن توهب عينيها له بل لو يريد روحها ستتخلى عنها لأجله، مضت عملية استئصال عينيها التي استغرقت أكثر من ثلاث ساعات وطوَّقت الضمادات البيضاء حبيبتيها، وشرعَ الأطباء ببدء إنقاذ ابنها الذي بات على السرير لأكثر من ثلاث أيام بلا جدوى ويؤانسه ضجيج الأجهزة التي تثقب عينيه، ومضت عمليته بسلام وفارقت الضمادات عينيه  وأبصر أولى أنظاره التي تكللت بالذهول على صورة أمه التي جلست بجانبه ، لحظات وانغمست فرحته التي تغمر قلبه بانكسار تحتويه الصدمة، وبدت نظراته وكأنه على وشك تفهُّم تلك الحقيقة بأن أمه من وهبته حبيبتيها، وأخذ بالصراخ الذي هزَّ أركان المشفى بصداه: لا يا أمي لِمَ فعلتي هذا؟؟ أرجوكِ أن تسامحيني وهوى تحت قدميها ثم قبَّل رأسها بينما دموعه  أخذت تروي ضفائر شعرها كقطرات الندى الرقيق في الليالي التي يرافقها نسيج الضباب، مضت دقائق والبكاء سيِّد الموقف إلا أن أمه سيطرت على نفسها وتجرَّعت آلامها في صدرها واحتملت أوجاعها بكل قوة وصبرت عليها لكنها لم تصبر لحظة على نحيب ضناها كالطفل الصغير وأرادت أن تهدِّئ من روعه وأمسكَتْ بوجهه الذي تعتليه عينتين أصابهما الخجل من لمح خيال أمه، وضمَّتْه إلى حضنها وقالت له : أنا بخير عزيزي لا تقلق بشأني سيعوِّضني الله بالجنة بدلاً منهما ، فقدْتُ حبيبتيَّ لكن بصيرتي تهدي قلبي لكل شئ ، وأضفت كلماتها على قلبه المفطور أطياف من الطمأنينة ومكث بالمشفى يومين أُخريين برغبة الطبيب للاطمئنان أكثر على مدى نجاح العملية وباليوم الثالث وبعد أن استعاد عافيته سمح له الطبيب بمرافقة أمه إلى البيت، واستوطنت بيته المهجور فرحة عارمة وضحكات بشوشة التي بدت على جدران بيته بعد ما قارَبَ أسبوع على شعورهما بالوحدة، وأخذ حافِظ يساعد أمه في تحضير الكيك استعداداً للاحتفال بعيد ميلاده الثاني عشر وتزيًّنت بالشموع البيضاء المتلألئة كالنجوم التي تضفي لمعانها للكون المظلم، وسادت الأجواء السعيدة على البيت بعد مرارة الوجع القارس الذي جرَّعته الأيام له.

ومرت الأيام وواكب الزمان لحظاتها وأنهى حافِظ اختبارات مرحلة الثانوية بجدارة اعتلاها الشغف وصفْوِ المثابرة وازدادت ضربات قلبه نبضاً مع اقتراب نتائج الاختبار وبدت علامات الشيخوخة على أمه وطوَّقت التجاعيد وجهها الوضَّاء وأرهق كيانها الشُّحوب الذي اتخذ من عينيها مأوى له وتكلل رأسها بخيوط الحرير الناصعة البياض واجتاحت أيامها التي كانت مفعمة بالنشاط والحياة زخات من شبحِ الداء الذي رافق طيات أحلامها وجعلها تمضي أيامها ما بين السرير وسجادة الصلاة التي انغمست بين ثناياها دعوات كادت تخرج من صميم فؤادها الناعم، ومضى حافظ آخر ليلة من القلق والتوتر الذي احتل كيانه ما يقارِب أسبوعين عند رفيقه شوقي كي يقضِ الوقت معه وينسى تلك المشاعر السلبية التي ترافقه وتجعله عندما يتذكر لحظة الانتظار يصاب بارتعاش وقشعريرة  تحتل جسده ,حيث كانت روح الفكاهة تلتهم صديقه ولا يوجد مكان فيه صديقه إلا عمت أرجاؤه أجواء المرح والتسلية ، وسرق الوقت حديثهم إلا أن دقت ساعة منتصف الليل فبات حافِظ ليله عند رفيقه اللدود ولم تغفَ عيناه لحظة واحدة والتفكير بالغد يستولي على بصيرته، يتساءل نفسه : ماذا لو حصدتُ الامتياز الأخير الذي سعيت لأجله اثنتي عشر عام من الشغف والجدِّ وسهر الليالي، عليَّ أن استعد لدموع الفرح التي ستعانقني أنا وأمي فور صدور النتائج ، أعدك يا أمي بذلك وقال تلك الكلمات بكل ثقة وحماس جعلت جدران الغرفة يصفِّق له وسقفها ينحني تقديراً لروحه المفعمة بالإصرار والثبات، ودقًّ على الأبواب نسيم الصباح بعد ليلٍ طويل من التفكير العميق الذي سيطر عليه، وأخذت نبضاته تزداد والارتعاش الهستيري ساد جسده إلا أن جاءته اللحظة التي غيَّرت مسار مستقبله عندما جاءه صديقه مهللاً والدموع تفيض من عينيه وأقدم على عناقه بكل لهفة وحرارة: حصلت على الامتياز يا صديقي تهانينا لك ، إني سمعت صدى اسمك يعجُّ في المذياع بعد المؤتمر الذي نظمته الوزارة، هنيئاً لك، وهوى حافِظ على السرير مُحاولاً استيعاب تلك الفرحة والصدمة تستولي على كيانه ولحظات قليلة نهض وعانق صديقه وعجَّ المكان بنحيب بكاؤه وكأنَّه لا يصدِّق أنَّه حقَّق ما يريد، وقال لصديقه:  أنا لا أصدِّق نفسي ، ما هذا الخبر الرائع ، إنه بفضل دعوات أمي المتكررة المستجابة ، فعلاً أصبحتُ لا أعلم كيف أشكرها،سيكن هذا الخبر أجمل هدية لها بمناسبة يوم ميلادها، انه اليوم , حيث أنني في البارحة قبل نومي قمت بالتحديق في صورتها التي أحتفظ بها منذ سنوات في جيبي وكان على ظهرها تاريخ ميلادها لذلك كل عام أفاجأها به وهي لم يخطرْ ببالها ذلك فتصاب بالذهول الذي يجعل عينيها تفيض دموع من نشوةِ الفرح، وقال له :أتذكرُ عندما حدَّثتُكَ عن ذاكَ اليوم الذي صادف يوم ميلادي؟ انها وهبتني عينيها، ولم يكن بوسعي أن أقدِّم لها شيئاً ، سأذهب يا صديقي وسألتقي بك فيما بعد لأخبرها بهذا الخبر الرائع ، وذهب يركض إلى بيته كالطفل الصغير ، يتسابق مع السحاب، ويتخيل مدى الفرح الذي سيسكن قلب أمه فور سماعها بتلك البشرى بينما عينيه لم تنقطع عن الدموع للحظة واحدة ، دفع باب المنزل بقوة ، وأصبح ينادي بصوت هستيري ، أين أنتِ يا أمي ؟، دخل إلى المطبخ ولم يجدْها ودخل غرفة الضيافة أيضا ولم يجدْها، وبعدما دخل غرفتها وجدَها خاشعة في السجود على سجادتها ، فقال  محدِّثاً نفسه:سأنتظر حتى تنتهِ من صلاتها ، فظلَّ يجول في الغرفة ينتظرها ، وقال في نفسه :كل هذا الوقت تدعو لي أمي ؟! مر من الزمن نصف ساعة ولم تحرِّك أمه ساكناً، فاقترب من أمه وهمس في أذنها ألم تنتهي بعد؟ .. فلم تجبْه أبداً، فقال لها: هل أنتِ بخير ؟ فلم تجبْه ، فأصبح يرتفع صوته شيئاً فشيئ ، ولم تجبْه أيضاً ، فحرَّكها بهدوء عن السجادة ، إذ بها تميل عنها متجمدة ، ولا تتحرك أبداً ، أمسك بيدها وهو يرتعش من الخوف ، حتى يرَ نبضها ، فلم يشعرْ بأي نبضة ، فأصبح يصرخ كالمجنون ويقول:  لا تتركيني وحيداً يا أمي، فأمسك هاتفه بيده التي تلطخت عرقاً ، واتصل بالإسعاف، دقائق قليلة وكانت سيارة الإسعاف مستقرَّة على باب منزله ، فتح لهم الباب وأدخلهم إلى أمه بسرعة ، ونزلوا بها إلى سيارة الإسعاف ، حتى وصلوا المشفى ، ركض الأطباء بسرعة كبيرة ، وأدخلوها للإنعاش ،ثم جاء الطبيب عادل ليخبره:  ما زال قلبها ينبض بهدوء، فرفع يديه إلى السماء وقال: اشفِ أمي يا الله فإني لا أملك أحداً في هذا الزمن يتمنى لي الخير سوى قلبها ،  دعواتها ترافقني كل حين، وخطاي ثابتة بسببها ، ثم انهمرت دموعه بغزارة وقال:  ليتَ دعواتي مستجابة كدعوات أمي ، فإنِّي بأعمال الخير لا أُقارن بجانبها ، دقائق قليلة ، أتى الطبيب عادل لحافظ ووجهه مُبتل عرقاً وعيونه محمرَّة من التعب ، وقال له بينما يطبطب على كتفه بكل أسف: كل محاولتنا باءت بالفشل ، صعدت روح أمك إلى السماء جوار ربها ، ادعُ  لها بالرحمة ، فانهار حافِظ وبدأ بالصراخ في وجه الطبيب ، وأمسك عنقه وقال له : كفاك كذباً ، أمي بخير ، أمي ما زالت على قيد الحياة ، أتى الأطباء وأصبح يصرخ بصوت عالي ،يحتويه الانكسار ، وسقط هاوياً يبكي على الأرض ، فأمسكه الأطباء وهدَّأوا من روعه ، فتراخت أعصابه ، وبعد لحظات دخل إلى أمه وقبَّل يديها الباردتين ، وقال لها:  ماذا سأفعل من بعدك يا أمي؟ ، كيف سأعيش بدون أنفاسك الطاهرة؟ ، كيف سأفارقك؟ أقنعيني أرجوكِ ، أنتِ كالوطن ، وعندما تتركيني سأصبح كالنازح المشرد ، وبدأت مراسم الجنازة التي بدت له كابوس مظلم عانقه طوال لياليه الوحيدة ، وبعد الانتهاء احتضن جدار بيته وهو يواسيه وتوسلَّ إلى سقف غرفته بأن يبقَ شامخاً بعدما فقد جذوعه التي كان يستند عليها، ومرَّت الأيام وظلت الصدمة تؤانسه مدة طويلة ولم يستوعب ما حصل، ظلَّ يمضي وقته بالمكوث في غرفة أمه حاضناً وسادتها التي عبقَ صدره بعطرها ومُحدِّقاً بصورتها التي أوشكت دموعه أن تمحِ تفاصيلها ومُتفوِّهاً بتلك الكلمات: سَلامٌ على الدُّنيا سَلامَ مُوَدِّعٍ…رَأَى في ظَلامِ القَبْرِ أُنْساً ومَغنَما، وسادت العزلة حياته وكأنه لم يرغبْ بفعلِ أيِّ شئ سوى محاولة استيعاب واقعه المؤلم وفجأة طرق باب منزله بهدوء بعدما فارقته الدقات منذ وفاة أمه، وفتحه إذا به صديقه شوقي فانهار باكياً فقال له صديقه:اشتقت لك جدا يا صديقي،أتصدقُ أنَّني ظننت قد طرقتُ الباب الخطأ؟ فلم أعرفك بسبب لحيتك الكثيفة التي طوَّقت وجهك ، ولنحافتك الملحوظة ، أتدرِ ما الذي حل في المدينة؟ فقال له حافظ: لا أعلم أخبار نفسي كي أعلم أخبار المدينة ، ها أنا كما ترى ، تعانقْني المأساة ، وكل ليلة أجلس وأتحدث مع نفسي كالمجنون مُتخيِّلاً أنَّ أمي تنصت إليَّ، وشرع صديقه يروي له أخبار المدينة المؤسفة بعد الغيوم السوداء التي حلَّتْ عليها فأضْفتها ظلاماً دامس.

الفصل الثاني

قال شوقي بصوت مشجون ترهقه آهات النحيب:  الظلام على بلادنا عم ورافق سماؤها الحزن والضنك والغم والحاكم لأمور شعبه لم يهتم بعدما فتن قلوبهم بكلام معسول مدسوس فيه سم, فإذا ما ثار شعبه جعل لياليهم الخضراء مخضبة بالدم, ثلة ضميرهم ثار وهَمْ وثلة ما زالت تنظر صامتة كالأصمْ، فقال له حافِظ:  أشعر وكأنني فارقت الحياة، كل هذا يحدث وأنا لم أعلمْ شيئاً ، دعنا  نتجول في المدينة فقد اشتقت لطرائف بائعي الحلوى ولابتسامة الأطفال وهم يلعبون الطاق طاقية فأرجع بذاكرتي لأحلام الصبا، فقلبي الذي هوت عليه منذ أيام غفوة الكرى بالبكاء على أطلال حبيب احتضن دفئ الثرى لن يؤانس أشجاني وسيمضي العمر سُدى، فنزل إلى أزقة المدينة ومذ لمحت عيناه تلك المشاهد قال:هل هنا بيتي أم انتقلت إلى مأوى وأنا لا أدري؟ هل هذه أزقة المدينة أم أصابنا دوار البحر فلم نستدل عنها بقرينة؟ ماذا فعل بحالنا جور الأيام ؟هل نصمت على ظلم الحكام ونغمس آمالنا بين طيات الأحلام أم ندق الطبول لثورة تجلي الذل عن تلك الخيام؟، حيث كان الناس يأوون الخيام بعدما أمر الحاكم بطرد من يتغافل عن دفع الضرائب إلى خارج منزله ، فتجمع الناس بخيام لا تنجي من برد الشتاء ولا تَظِلُّ من لهيب الصيف وحَرُّه ، وأيقظت مسامع حافِظ كلمات مُسن مستلقياً بجسده على بساط الخيمة: لا ماء لا كهرباء لا كرامة لا وطن ولا قابوس ثورة في الضمائر الغافلة انسكن، فهزت تلك الكلمات كيانه وارتعش جسده وازداد عندما رأى أم تطهي لأبنائها ما تجمعه من مخلفات أعوان الحاكم الذي يبيت جُلَّ ليله في حاويات القمامة التي يأويها البعوض، فقال بصوت مرتجف: من هو سمو جلالة الحاكم؟ فقال له صديقه: مُسن خمسينيّ  تقدَّم لترشيح نفسه وفوَّضتْه الرعية بعدما ألقى خطبة فتنت  مسامعهم مطلعُها : على نهجِ خليفة المسلمين عمر بن عبد العزيز سأسير، فمذ نطق تلك الكلمات على صفير التصفيق له ثم أتبعَ خطبته بالشكر لرعيته على هذا التفويض وبنود ذكرها تعدَّدت ما بين تطوير وترميم وتعويض، جعلتهم ينشدون نشيد الأرض وأصوات التكبير تنطلق من حناجرهم، فجلس شوقي أرضاً وأخذ يقلِّب كفيه: لكن الآن أغرت بصيرته شهوة النفوذ والأموال فلا نهض من غفوته أحد لكن هناك أمام سطوة الحاكم مَنْ انحنى لها ومال، فقال حافِظ:  ولكن لا بدَّ من الثورة، انهض يا شوقي فانَّه ليس الوقت المناسب للبكاء والتحسُّر، فنادى شوقي بكل غضب : يا أهلي هلُمُّوا تعالوْا أمامي هنا، فتجمعت الرعية أفواج مُنصِتة ملبية نداؤه، فقال:  ما بِكم ؟ألم يحن الآن لموعد ثورة تنتفض، فسمع أقوال متناثرة من بينهم، هذا يقول :لا أمتلك الجرأة وذاك يقول:  أنا أيضاً وهؤلاء يقولون : انَّ الكف لا تلاطم المخرز، فضجَّ شوقي من ردودهم وقال بكلِّ صوت هرعت منه الطيور وحلَّقت مُتجمِّعة في السماء: بل انَّ الكف ستلاطم المخرز… وما نيلُ المطالب بالتمني وأخذ يكرِّرها الى حين أيقظت كلماته مشاعرهم بعدما أُصيبَ بنوبة من السعال لولاها لأكمل كلماته، فبدأ الجميع بالتصفيق والتكبير وأصوات تناثرت هنا وهناك، قاموا بتخطيط موعد لبدأ الثورة إلى حين تجهيز الترتيبات لصد أي هجوم من أعوان الحاكم وكانوا يتجمَّعون ظهيرة كل يوم ويشرعون بتجهيز الترتيبات اللازمة واتَّفقوا أن تتِم الثورة ظهيرةَ غدٍ أمام قصر الحاكم، لكنَّ أعوانَ الحاكم كالحشرات المتطايرة بين الرعية قاموا بنقل الأخبار للحاكم بأنَّ هناك ثورة سوف تنشب أظفارها وأن هناك شخصين يقودوا الرعية ويعزِّزوهم على قيامها فقد استغل الحاكم فقرهم وقام بإغرائهم ببعض المال مقابل تسريبهم لأسرار الرعية له ، فأمر الحاكم باعتقال حافِظ وصديقه ، كانا في بيت حافِظ على وشك النوم على أعتاب سكون الليل الهادئ وبدءا يفكِّران في الغد وكيف ستكون نتائجه وعواقبه الوخيمة لكن فجأة ضربات أرجل جنود الحاكم زلزلت البيت وكاد أن يفقد اتِّزانه واقتحموا باب البيت وانقضُّوا على حافِظ وصديقه وأخذوا ينتشلونهم من فراشهم الدافئة بكل وحشية وسط ضربات مُبرِحة كاد حافِظ على أثرها أن يفقد وعيه بينما تغطَّى وجه صديقه بالدماء ، وساقهم الجنود إلى سجن القصر، عُذِّبوا أشدَّ التعذيب ما بين ضرب مبرح وتعذيب بالكهرباء وعزل انفرادي في غرفة ضيقة يجوب حولها الظلام ومُفعمة بالروائح الكريهة كان يوضع فيها من يحكم عليهم بالموت بل يكاد مَن يُوضع فيها أن يموت قبل مواجهة مقصلته، وآهاتهم كل ليلة تنطلق من حناجرهم لتنتشر حاضنة جدران السجن المكللة بأسلاك الكهرباء الشائكة، مرَّت ثلاث ليالٍ وهم يتقاسموا أوجاعهم وجروحهم التي إذا شرَعتْ بالالتئام تنفجر الدماء منها مرة أخرى، جاء الجنود ذات ليلة حالكة السواد ودوي خطواتهم يوقظ النائم فنهض حافِظ وصديقه والقلق يسودُ ملامحهم وإذا بالجنود يفتحون باب الزنزانة وينتشلون شوقي بكل قسوة ووحشية وحاول حافِظ اعتراضهم لكنه حُظيَ بضربة سياط أفقدته الوعي ، فذهبوا بشوقي إلى الحاكم ، قابل شوقي الحاكم فقال له الحاكم : أتعلمُ يا شوقي إني أحبك كثيرا؟ أحتاج مساعدتك قليلاً و ملأت قهقهته المكان ،وأمسكه من يده قائلاً اجلس هنا على العرش وبدأ بالتصفيق له ، فقال له الحاكم: هناك حرية بانتظارك وأموال تشتاق لك إذا قبلت هذا العرض الذي يأتي فرصة واحدة في العمر، ما رأيك أن أجعلك حُرَّاً وبالمقابل تفشي لي الأسرار التي تجوب من أفواه الرعية من ثورة أو إرهاب يخططون له عند اجتماعهم في بيت أحد بائعي الحلوى ليلاً فأنت يثقون بك أكثر من أنفسهم حتى ويستمعون إلى توجيهاتك، فقام شوقي قابضاً على يده من الغضب الذي احتل كيانه وبصق بوجهه ، فقام الحاكم غاضباً بالنداء على الجنود فقيَّدوا شوقي بالأغلال بعد أن طرحوهُ أرضاً فأمرهم الحاكم بأن يأخذوه للعزل الانفرادي ويقطعوا عنه الطعام الذي لا يتعدى كسرة الخبز المطلية بالجبن التي لا تغني جوعه ولا تنقصه شيئاً بل تشقُّ عليه مرارة جوعه ، فساق الجنود شوقي للعزل الانفرادي وتخضَّب بلاط القصر الناصع البياض بدمائه، وبدأ ينتاب الرعية شعور بفقدان قيادتهم ولم يجدوا لهم أيَّ أثر إلى أن تفقَّدوا بيت حافظ فأيقنوا من مظاهر الخراب في غرفته وبقع الدماء المنتشرة على الجدران أنَّه تعرَّض هو وصديقه للاختطاف ، ومن يتجرَّأ على فعل ذلك بينما تساءلوا بعضهم البعض والحيرة تحتل تفكيرهم…

مرَّ ما يقارب أسبوع وحافِظ يؤانسه خياله المظلم الباهت على جدران الزنزانة بينما صديقه بدأت تتفاقم حالته الصحية سوْءاً ووصلَ به الحال أن يتقيأَ دماً، ولم يرتوِ جسده المنهك بقطرة ماء وأوشك بالانكماش ، فقرر الحاكم بمعاقبة شوقي بإعدامه أمام الرعية كي يكون عقابه ردعاً لهم ولأيِّ شخص يلوح في تفكيره استنهاض هِمم الرعية للقيام بثورة، أشرقت الشمس بخيوطها التي تناثرت على نافذة الزنزانة فأضفت بريقاً على وجه حافِظ الشاحب من برودة الليل، وبعد ظهيرة الجمعة بدأ الجنود بدقِّ الطبول وتجمع الرعية في الميدان والذعر يستولي عليهم، أصابهم الذهول ولم يعلموا ما الذي يحدث ، تقدَّم الجنود إلى زنزانة شوقي وأخذوه بجسده المُكبَّل حملاً على أكتافهم حيث سيطرَ الإغماء عليه وفقد الإحساس بأي شئ ، فنظر إليه الحاكم قبل أن يعتلي به الجنود إلى مقصلته وقال بنبرة ساخرة: أتريدُ شيئاً في لحظاتك الأخيرة؟ فرد عليه : أريد مقابلة صديقي فأمر الحاكم الإتيان بصديقه فقاموا بوداع  بعضهم والقهر يسود على نحيب حافِظ بينما أمسك شوقي بيده ورفعها عالياً وقال له: أراك بالجنة إن شاء الله سأشتاقُ لك يا صديقي , فابيضَّت ملامح حافِظ وكأنه يريد أن يفدي بروحه نحو المقصلة بدلاً من صديقه وقال له بكل انكسار ونظراته ملتصقة بالأرض: ابعث سلامي إلى أمي، وصرف الجنود حافِظ إلى زنزانته بينما عمَّت عواصف الاستغراب على قلوب الرعية بعد أن شاهدوا شوقي يجرُّه الجنود من القصر إلى مقصلة الإعدام الجاثمة في قعر الميدان، حاولوا بكل ما لديهم من قوة منع الجنود لكن الجنود قاموا بالتصدي لهم بأسلحتهم وتهديدهم بالموت إن تجرَّأ أحدُهم بفعل أيِّ ضجَّة وخراب ..لحظات ونطق شوقي الشَّهادة واشتدَّ الحبل على عنقه واحتضنت السماء روحه واشتدَّ الغضب في صفوف الرعية لكن ليس بِوسعهم فعل أي شئ ، مرَّ يومين والأسى يُخيِّم على المدينة بعدما أعلن الرعية الحداد على شوقي ووضعوا له نَصب تذكاري وسط ساحة الميدان ،وحافِظ ما زال يُداري أوجاعه في الزنزانة إلى أن جاء أحد الجنود المعارضين للحاكم يُدعى صائب لكنه يكبت صمته من مظاهر الغضب التي تسوده عندما يرى معاناة الرعية واضطهادها، تقدَّم إلى جانب حافِظ ووضع له غذاؤه والخجل ينتابه من النظر إليه وهو واضع يده على وجهه والأسى يحتل جسده على فراق صديقه، ولكن ماذا بوسعه أن يفعل أمام سطوة الحاكم، فنظر إليه حافِظ مبتسماً وقال له :من فضلك اجلس بجانبي قليلاً، فجلس الجندي صائب وكأنَّ ملامحه تبدِ بالأسف على حاله، فأيقن حافِظ أنه حزين على وضع الرعية فقال له: هل تقبل مساعدتي؟ فرد عليه: وكيف لي أن أرفض مساعدة شخص من أبطال المدينة من تحرروا من صمتهم ووقفوا في وجه الظلم، فقال له حافِظ: وهذا حال من يعترض للظلم، أريد منك أن تذهب لأحد بائعي الحلوى وتعطِ له هذه الورقة ، لكن إيّاك أن يدرِ أحدٌ بهذا الأمر، فرد الجندي: لا تقلق وإذا طلبت روحي سأتخلى عنها لأجل بطل من أبطال المدينة،وسامحني إن ما صدر مني أي اعتداء تجاهك فأنا العبد المأمور فقال له حافِظ ماسكاً بيده: نِعمَ ما أنجبت المدينة من رجال, جزاكَ الله خيرا وبُورِكتْ من قامت بحملك في أحشائها، عمَّ الليل على المدينة واحتلَّ الهدوء أرجائها، فتظاهر الجندي بالمرض وطلب من الحاكم الذهاب إلى بيته ليسترِح قليلا ورأى أن هذه فرصة مناسبة لإيصال رسالة حافِظ حيث ينتشر في النهار أعوان الحاكم فيتسللون الأخبار كالحشرات، فمضى الجندي إلى بيت أحد بائعي الحلوى وطرق بابه وقال له: هذه رسالة من حافظ، وفرَّ هارباً خوفاً من أن يرَه أحد من الجنود الذين قد كلفهم الحاكم بحراسة المدينة ليلاً كي يراقبوا تحركات الرعية ومؤامراتهم ضده، فقرأ بائع الحلوى بيان حافِظ الذي مطلعه: من داخل قضبان زنزانتي أنا بانتظاركم، وختمه ببيت شعري يُنذِر فيه  بالثورة ضد الظلم وبجلاء الظلام في القريب العاجل قائلاً فيه:

وَقَفَ الخَلقُ يَنظُرونَ جَميعاً… كَيفَ أَبني قَواعِدَ المَجدِ وَحدي ، فجاء الصباح وجمع بائع الحلوى معارفه من البائعين وألقى عليهم بيان حافِظ، فبدت الحماسة على ملامحهم ووافقوا بلا أي تردد بفعل المستحيل كي يخلِّصوه من سطوة الحاكم، وبدأوا كل ليلة بالتخطيط لثورة ووضْع احتمالات تعيق حدوثها وظلُّوا بالاجتماع سراُ كل ليلة حتى مضت ثلاثة أيام حينها أعلنوا جهوزيتهم للثورة فقاموا بتحريك همم الرعية الى أن ضج الرعية بأعلى صوت يعبِّرون فيه عن استعدادهم، وبدأوا تدريجيا بالتجمع أمام قصر الحاكم وسط هتافات وضجيج وهم يرفعون لافتات كُتِبَ عليها:

أَيُّها القائِمونَ بِالأَمرِ فينا. هَل نَسَيتُم وَلاءَنا وَالوِداد

وأخرى كُتِبَ عليها بخط أحمر عريض:

قل للحكام تنحو عن مناصبكم فقد جاء آخذ الدنيا ومعطيها

وظلوا يرددون بأعلى صوت إننا لقائمون…إننا لقائمون

فتعالت صيحات الحاكم وفرَّ من سريره المرصَّع بالأحجار الكريمة والذهب وأمسك بسلاحه صَوْب المتظاهرين وقام أعوانه بالتصدي لهم وضَرْبهم فسقط القتلى والجرحى وانفجرت دماؤهم على أسوار المدينة الناصعة البياض لكن صفوف الرعية لم تتخاذلْ فقد قامت برشق الحجارة صَوْب القصر ، وثارَ الغبار أنحاء القصر وعجز أعوان الحاكم عن الرؤية فكرَّت عليهم الرعية ودخلوا إلى قصر الحاكم حيث الجدران الشامخة اللامعة والصالة الملكية الفسيحة والكرسي الذي يبدو كأنه صرحٌ من الألماس، وأشعلوا النيران بداخله وفكُّوا حافِظ من قيوده ، ففرَّ الحاكم إلى خزينته كي يحصل على مقتنياته من أموال ومجوهرات وتبرعات وُهِبتْ من أجل رعيته وهرب مسرعاً من الباب الخلفي للقصر، وبعد أن تحطَّم القصر علت صيحات الانتصار ،وقفز حافِظ من غيبوبته وصرخ بكل غضب والحاكم يركض كي ينفذَ بجلده فتبعه كالريح العاصف و تشرَّبت ملابسه العرق المنهمر من جبينه بغزارة مُلاحقاً الحاكم كالرياح الهائجة فأطلق الحاكم بعض الرصاص أدَّت إلى إصابة حافِظ في كتفه فنهض من جروحه عدة مرات وانقضَّ على الحاكم واعتلى منه سلاحه فتذكر وصيَّة صديقه التي كتبها بدمائه على قماش وأعطاها إياه عندما قام بتوديعه في لحظاته الأخيرة قائلاً نصَّها: إن اخذ الله بيدك فتكفَّل به بثلاث رصاصات في صدره، حيث كان لصديقه ثلاثة إخوة قام الحاكم بقتلهم على اثر  اكتشافهم خيانته للرعية وأَكْل حقوقهم بسرقة أموالهم الموهوبة لهم من إخوانهم في المدن المجاورة،فأراد أن ينتقم منه ويشفِ غليل صدره وقلب أمه الذي انفطر على رحيلهما، حيث ماتت أمه على أثر سكتة قلبية ألمَّتْ بها عندما جاءها خبر استشهادهم، وظلَّ هو بعدها يصارِع عُباب الحياة وحده، فاستقرت في صدر الحاكم ثلاث رصاصات مزَّقت جسده وانفجرت دمائه على وجه حافِظ وطُرِحَ مُتمايلاً على الأرض وتناثرت الأموال التي في جيوبه كسيول الماء المتدفِّق،ورجع حافظ إلى الرعية حاملاً جثة الحاكم ثم ألقى بها أرضاً واشتعلت النيران فيه، فتعالت أصوات التكبير من حناجر الرعية وقاموا بالتصفيق بحرارة لبطولته وشجاعته فاعتلى مِئذنة القصر ورمى عليها راية بيضاء مخضبة بدماء الأبطال مزخرفة بصيحات الرعية:  إننا لقائمون…إننا لقائمون، وأنارت أضواء الحرية سماء المدينة بعد الظلام الذي اجتاحها من سطوة الحاكم وتسلطه، وعمَّت أهازيج الفرح والسرور كافة أنحائها بعدما احتلت مكانتها بكل جدارة بين سطور التاريخ ابتهاجاً بهذا الحدث العظيم  بعدما تجرَّع الرعية علقم الخضوع والاستكانة، وفي ظهيرة اليوم التالي تكلل الميدان بالورود التي تناثرت على النُّصب التذكارية لأبطال الثورة الذين فدوْها بأرواحهم وشحذوا عروقها المتصلبة بدمائهم, وقاموا بتسمية تلك الثورة بثورة القضبان نسبة إلى كلمات حافِظ التي أشعلت لهيبها, وأما الميدان فأُطلق عليه ميدان الشهداء حيث يتزين بالنُّصب التذكارية التي شهدت على بطولاتهم وتضحياتهم.

يتبع ….

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here