العلامة الشيخ محمد جميل بن محمد ياسين العقاد

0
154

العلامة الشيخ محمد جميل بن محمد ياسين العقاد

دراسة: محمد عدنان كاتبي
أولاً : مولده ونشأته :
 ولد العلامة الشيخ الشاعر محمد جميل بن الشيخ محمد ياسين العقاد في حي الجلوم ذلك الحي العريق من أحياء مدينة حلب الشهباء . وجل الوثائق التي بين أيدينا تشير إلى أن مولده كان سنة 1314 هـ 1896م ، إلا أن دفتر عائلته وسجل خدماته في مديرية التربية في حلب يشيران إلى ولادته كانت عام 1893 على ذلك سنة 1311 هـ .
 ومهما يكن أمر فقد نشأ الشاعر في أسرة عرفت بالفضل والعلم والصلاح فوالده الذي كان إماماً وخطيباً في جامع (أبي الدرجين) في حي الجلوم قد رباه على الفضيلة وحب العلم منذ نعومة أظفاره . وما أن ترعرع حتى بعثه إلى كتاب الحي ليتعلم القرآن الكريم ولما يبلغ الثامنة من عمره ، انصرف بعدها إلى حلقات العلماء في المساجد ، يعب منها . وإن يكن والده الشيخ ياسين أكثر هؤلاء العلماء تأثيراً في تكوينه العلمي في تلك المرحلة من حياته ، فقد حبب إليه علوم اللغة العربية وآدابها ، حيث قرأ عليه النحو والصرف والبلاغة ، وكان له اهتمام خاص بالشعر العربي القديم فأتقن فن العروض وحفظ الكثير من دواوين الشعراء ، وبدأ يقرض الشعر ولما يبلغ الخامسة عشرة من عمره ، واستمر في تحصيل العلم بشغف واضح مما أتاح له الفرصة لأن يكون معلماً في المدرسة الفاروقية وهو في هذه السن المبكرة من حياته ، وقد نظم للمدرسة نشيد ” المدرسة الفاروقية ” وهو أول ما وصلنا من شعره .
ثانياً : رحلته إلى مصر في طلب العلم :
 لم يبلغ العقاد العشرين من عمره حتى ضاقت مدينة حلب عن تطلعاته العلمية ، وكان من الطبيعي آنذاك أن تشرئب نفسه نحو القاهرة وأزهرها ، محط رجال العلماء وموئل رجال الفكر والدين والأدب ، فقصدها عام 1335 هـ ـ 1916 م.
 ولقد رأى العقاد في القاهرة بغيته من العلم والمعرفة ، فانصرف إليه بكل جوارحه ، يعب منه عب الظمآن من الماء ، يتلقاه على كبار علماء الأزهر آنذاك أمثال الشيخ محمد بخيت المطيعي ، والشيخ محمد الخضر حسين التونسي ، والشيخ عيسى منون ، والشيخ أبي الفضل الجيزاوي ، وأحمد مصطفى المراغي ، وسيد المرصفي ، وحسين والي ، ويوسف الدجوي وغيرهم ، وقد حصل العقاد من الأزهر على الشهادات التالية :
1 ـ الشهادة الأهلية للغرباء لعام 1345 هـ ـ 1926 م ، وهي تعدل الإجازة الجامعية اليوم .
2 ـ الشهادة العالية للغرباء لعام 1347 هـ ـ 1928 م ، وهي تعدل شهادة الماجستير اليوم .
3 ـ شهادة الاستماع قسم التخصص شعبة البلاغة وذلك عام 1349 هـ ـ 19300 م وهي أرقى شهادة يمنحها الأزهر آنذاك وقد منحت له من قبل الأستاذ محمد بخيت المطيعي ، وأحمد مصطفى المراغي ، وعبد الخالق عمر، ومحمد خضر حسين .
 وقد مكث الشاعر في مصر يطلب العلم مدة أربعة عشرة عاماً ، توجه بعدها إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج ، ثم قام بزيارة لفلسطين وشرقي الأردن ولبنان ، عاد بعدها إلى وطنه ومسقط رأسه حلب . ليواصل عمله في الدعوة إلى الله ونشر العلم ، وكان ذلك عام 1354 هـ ـ 1935 م .
ثالثاً : عمله في الدعوة إلى الله :
أ ـ في مصر:
 لم يكن العقاد خلال إقامته في مصر طالباً للعلم فحسب . بل لقد كان فيها معلماً وداعية وواعظاً ، فلم يكد يمضي عليه يوم واحد دون درس أو خطبة أو محاضرة أو ندوة يدعى إليها الناس عبر الصحف المحلية ليستمعوا إلى الداعية الشامي وهو يعالج قضايا المجتمع المصري ، كالمرأة والحجاب وتعدد الزوجات والفقر والخمر والميسر وأثرهما الضار على المجتمع .
 كما كانت له كتابات في جل الصحف اليومية القاهرية . يعالج فيها مثل هذه القضايا ، ويكشف دعاة التحلل والانحراف من جهة وأصحاب التبشير وإخراج الناس عن دينهم من جهة ثانية (1). وكان له دور بارز بين رفاقه الطلاب ، يشارك في اتحادات الطلبة المسلمين ، ويرأس اتحاد إخوانه من الطلبة الشاميين. ويشارك في تأسيس وإنشاء عدد من الجمعيات الدينية والأدبية (2).
 ولقد كان للشيخ العقاد موقف مشهور من آراء الأديب الراحل الدكتور طه حسين في التراث الأدبي والإسلامي . يرد عليه في الصحف والمجلات ، ويقف على رأس الجماهير الغاضبة التي أحرقت كتبه في أروقة الأزهر وساحات القاهرة العامة .
 فإذا قدم فصل الصيف يمم وجهه نحو الريف المصري ليختلط بالفلاحين يوعيهم ويفتح عيونهم على ما يحاك لهم من أمر دينهم ودنياهم وأوطانهم . وقد التف حوله الفلاحون المصريون مسلمون وأقباط يحاورهم ويناقشهم ويبين لهم سبل الحق والخير بالحكمة والموعظة الحسنة فأثمر عمله ذلك دخول عدد كبير من الأقباط في دين الإسلام ، منهم في مديرية الفيوم وحدها سبعة وعشرون قبطياً فيهم القسس والشماسة (3) ، وفيهم العامة . يأتون إلى المسجد بلباسهم الكهنوتي ويخرجون منه مؤمنين مسلمين . وقد نشرت الصحف المصرية أنباء إسلامهم ووثائق شهاداتهم ، في محكمة مصر الشرعية بتاريخ 22 صفر سنة 1352 هـ .
 وكان منهم شماس شاعر مثقف يدعى ” مجلي إسحاق جرجس ” أحبه الشاعر بعد إسلامه فوهبه اسمه وسماه “محمد جميل المهتدي ” وكانا يتبادلان الرسائل والقصائد الودية وينشرانها في الصحف اليومية (4).
 كما أسلم على يديه عدد من المفكرين والمستشرقين الغربيين منهم المستشرق الألماني ” ليوبولد ” وقد سماه الشاعر ” محمد أسد “.
ب ـ في الوطن :
 ما إن عاد الداعية الشاعر إلى وطنه حتى شمر عن ساعد الجد للعمل في حقل الدعوة إلى الله . وقد استغرق عمله هذا مساحة كبيرة من حياته وجهده فلا يكاد يخلو يوم من أيامه من نشاط يخدم الدين والأمة والمجتمع . ولعل أهم نشاطاته في هذا المجال :
1 ـ الوعظ والإرشاد وإلقاء الدروس الدينية :
 فقد كان للشيخ الشاعر جولات مستمرة على مساجد المدينة ، يلتقي بالمصلين بعد صلاة الظهر أو العصر أو المغرب ، يعظهم ويعلمهم أمور دينهم ويرد على تساؤلاتهم في شؤون الدين والحياة .
2 ـ الخطابة الدينية :
كان الشاعر خطيب الجامع الأموي الكبير يتناوب الخطابة فيه مع الأستاذ الشيخ محمد الحكيم (55) ، فإذا كانت نوبة الأستاذ الحكيم اتجه الشاعر إلى غيره من جوامع المدينة ليخطب في الناس ويعظهم .
3 ـ الجولات الدورية في المدن والأرياف :
 فقد دأب الشاعر على الخروج إلى المدن والقرى القريبة من حلب والبعيدة عنها ـ على عادته في مصر ـ يلتقي بأهلها ويعظهم ويرشدهم ويشارك في تأسيس مساجد لهم في قراهم ومدنهم ويخطب فيهم إن كان في يوم الجمعة ويشاركهم في أفراحهم وأتراحهم ويختم لقاءه معهم بالإجابة عن تساؤلاتهم .
4 ـ اللقاء الأسبوعي مع نزلاء السجون والإصلاحيات :
 يقصدها الشاعر ويلتقي بمن زلت به القدم ، فينصح ويعظ ويرشد . فكم من عاص ومجرم خرج من السجن تائباً عابداً تقياً ، وكم من بعيد عن الله خرج من سجنه حافظاً للقرآن داعياً إلى الله وكم من كافر خرج من سجنه مؤمناً مسلماً .
5 ـ دروسه الخاصة للناشئين والشبان :
 وكانت غالباً ما تكون عقب صلاتي التروايح والفجر في شهر رمضان في الجامع الأموي . يجذبهم إليه بأسلوبه الخاص المحبب ويجعلهم يحفظون ما يملي عليهم من آيات وأحاديث وحكم وأشعار. يقيم لهم المسابقات ، ويقدم لهم الهدايا والجوائز من الكتب المفيدة والدفاتر والأقلام .
6 ـ ندوة بيته الأسبوعية :
 تنعقد في داره كل يوم أربعاء ، يلتقي فيها أهل العلم والأدب مع طلاب المدارس التجهيزية ودور المعلمين والجامعات وجماهير من تلاميذ الشاعر من عامة الناس ، ويطرح فيها كل ما يهم المجتمع المسلم من أمور، وكان الشباب بصورة عامة لا يدعون هذه الندوة لما يرون فيها من زاد فكري سليم يحصنهم ضد التيارات الدخيلة .
7 ـ إقامة الندوات واللقاءات والمحاضرات :
 في المنتديات العامة وفي المساجد لتوضيح رأي الإسلام في كل الأحداث القومية والوطنية والدينية والاجتماعية.
8 ـ حضوره المتميز في مختلف المناسبات الاجتماعية :
 يشارك الناس في أفراحهم وأحزانهم ليجعل من هذه المحافل والمجالس ندوة لتصحيح العقائد والأعمال .
8 ـ استغلال كل الأوقات والأمكنة :
 الطرق والساحات العامة والحافلات ومكاتب الحكومة وباحات المدارس ، وفي كل مكان ، يستغل ظرفاً من الظروف أو تصرفاً قام به أحد الحضور ليجعل المكان منبراً يدعو فيه إلى الله ويبين السلوك السوي الذي يجب على الإنسان المسلم اتباعه .
10 ـ الكتابات المتنوعة :
كالمقالات والتعليقات والأبحاث الدينية والأدبية ، ونشرها في الصحف والمجلات المحلية .
11 ـ الشعر :
 فقد استخدامه سلاحاً في الدعوة إلى الله ، يلقيه في كل مناسبة دينية أو قومية أو وطنية أو اجتماعية . ولقد كان الشاعر مدركاً ما للشعر من أثر في نفوس الناس فكان مجلسه لا يخلو من قصيدة يتناول فيها أحداث الساعة وما يشغل المجتمع والأمة .
 ولقد آتت أعماله هذه ثمارها يانعة ، فأحبه الناس على مختلف طبقاتهم وثقافاتهم ، وكثر طلابه والمستفيدون منه ، فلم تكد ترى رجلاً عاصره إلا وله حديث مسهب عن الشيخ الشاعر والداعية أو عن ذكرياته معه أو فائدته منه .
رابعاً : عمله في التعليم ووظائفه الدينية :
 ونحن لا نستطيع الفصل بين عمله في الدعوة وعمله الوظيفي ، ذلك أن الشيخ الشاعر كان يستغل عمله في التعليم في المدارس لإرشاد طلابه وتوجيههم نحو الإيمان والعمل الصالح ومكارم الأخلاق .
 وقد التقيت بكثير من طلابه وسألتهم الحديث عن ذكرياتهم مع أستاذهم العقاد . فكان حديثهم يفيض بعواطف الحب والإعجاب والتقدير لما كان يتمتع به من ثقافة واسعة وحب للعلم وإخلاص له ومقدرة على الدخول إلى قلب طلابه والتأثير عليهم وإقناعهم .
 كتب الدكتور عبد الله عبد الدائم يستعيد ذكرياته عن ثانوية المأمون (التجهيز الأولى) وأساتذتها الذين تركوا أثراً في نفسه يقول : ” ومنهم المرحوم الشيخ جميل العقاد أستاذ التربية الدينية ، الذي كان ذا طابع حار، يهدر حين يتكلم كالنهر المتدفق ، وكثيراً ما كان يتصبب عرقاً ، وكان من فضائله حفظه لمئات الشواهد في كل ميدان شعراً كانت أم نثراً . وما زلت أحفظ الكثير منها ” (6).
وقد عين العقاد مدرساً للتربية الدينية واللغة العربية في مدارس التجهيز ودور المعلمين عام 19377 م وظل في عمله حتى عام 1949 م حيث سعى بعض مناوئيه وحساده على تدبير المكائد له ، فسرح من عمله في وزارة التربية ، ولكنه لم يستسلم لمؤامرات أعدائه وعمل على الرجوع إلى عمله ، وقد تحقق له ذلك بعد عام من تسريحه ، ولكن بوظيفة معلم في المرحلة الابدائية .
 لم يستطع العقاد ذو الطبع الحار أن يستمر في عمله هذا ، فتقدم بطلب استقالته ليتفرغ للعمل في الدعوة إلى الله . وكان له ذلك بعد عامين من عودته إلى الوظيفة ، حيث أحيل على التقاعد عام 1952 م.
 أما عمله في وزارة الأوقاف فكان مقتصراً على خطبة الجمعة في الجامع الأموي ، وقد عين فيها عام 1949م . ودرس ديني في جامع ” أبي الدرجين ” أسند إليه عقب وفاة الشيخ محمد نجيب سراج الدين (7) عام 1954 أما بقية أعماله الدينية فكانت تطوعاً غير مأجور ، إلى أن كان عام 1964 حيث أسند إليه وزير الأوقاف الأستاذ أحمد مهدي الخضر (8) وظيفة مدرس محافظة ، وذلك لما يعرف من عمله ونشاطه في الدعوة ، وقلة موارده المالية .
خامساً : أبرز معالم شخصيته :
1 ـ الإيمان وصلابة العقيدة :
 هذا الإيمان الذي غرسه والده في قلبه منذ نعومة أظفاره ، قواه لديه ما تلقاه من علم على أساتذته ، فكان إيمانه إيمان معرفة ويقين لا إيمان تلقين وتقليد ، وقد ظهرت نتائج هذا الإيمان في تأثيره على من يدعوهم إلى الله فيسرعون بالاستجابة له ، وهو في إيمانه هذا لا يداري ولا يحابي يجهر بالحق دون أن تأخذه فيه لومة لائم .
2 ـ الحب العظيم لصاحب الدعوة ، والتمسك بهديه :
 وآثار هذا الحب تظهر في كثرة القصائد التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم ، وحفظه الكثير من أحاديثه ونشر سننه الصحيحة بين الناس ، ورفضه لكل البدع والانحرافات .
 والعقاد الشاعر محدث يحفظ الكثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ويرويها بأسانيدها المتصلة ، وله إجازات في الحديث من شيوخه وأساتذته نذكر منهم الشيخ المحدث الأستاذ محمد الخضر حسين التونسي (9).
3 ـ الإخلاص للدعوة التي نذر نفسه لها :
 وقد تجلى هذا الإخلاص في نشاطه الدائب في الدعوة إلى الله والتفاني فيها حتى لقب في حلب ” بالمدرسة السيارة “.
4 ـ الحضور وقوة الشخصية :
 ما من مجلس يكون فيه العقاد إلا ويقلبه ندوة للدعوة فيستحوذ على نفوس الحاضرين وقلوبهم . يوجه أفراحهم إلى الالتزام بآداب الإسلام ، ويقلب أحزانهم إلى سرور ورضى بقضاء الله وقدره .
5 ـ الفطنة والذكاء وبعد النظر:
 أما فطنته وذكاؤه فنراهما في حسن تعامله مع الناس وسرعته بديهته في الرد الحاسم المقنع . والتصرف المناسب في المواقف الحرجة . نذكر منها على سبيل المثال رده على وزير الداخلية المصرية وقد استدعاه عام 1933 م وعنده وفد من الأقباط يطلبون ترحيله عن مصر لأنه يفسد أبنائهم ويفتنهم عن دينهم فتوجه الأستاذ العقاد إلى الوزير قائلاً :
 ـ سلهم يا معالي الوزير عن الوسيلة التي ألجأ إليها في دعوتي لأبنائهم هل أغريهم بالمال أو بالنساء ؟ هل أهددهم بالعصا أو بالسلاح ؟ هل أستخدم معهم السحر أو الخزعبلات ؟ ولما كان جوابهم بالنفي عن تساؤلاته التفت إلى الوزير وقال : إنهم يا سيدي يستخدمون كل هذه الوسائل في حملاتهم التبشيرية ، ولم يطلب أحد من المسلمين إخراجهم من مصر. عندها اقتنع الوزير وصرف الجميع راضين .
وأما بعد نظره فنلحظه في صحة رؤيته لأمور تنبأ بها قبل حدوثها بزمن طويل. ففي عام 19366 م لم يكن أحد من العرب والمسلمين يتوقع أن تطول أظافر الصهاينة وتمتد لتنال القدس بل والمسجد الأقصى بالذات أما شاعرنا فقد قال في إحدى قصائده ذلك العام :
إني أرى خطراً يحيط بقدسنا حتم علينا في الحياة جهاد
وفي عام 19477 لم يكن أحد من العرب يدرك أهمية النفط كسلاح في مواجهة أعدائنا ، إلى أن كانت حرب حزيران من عام 1967 م حيث تنبه العرب إلى هذا السلاح الهام ، واستخدموه في حرب تشرين التحريرية عام 1973 م ، وظهرت نتائجه كما توقعها العقاد قبل ست وعشرين سنة يقول في قصيدة نشرت عام 1949 .
فالنفط في أوطانكم هو روحكم صونوه قسراً عن حماهم يصغروا
يأتونكم متواضعين أذلــة يرجون عطفاً منــكم أن تـنظروا
6 ـ العفة والإباء وكرم النفس :
 فقد كان العقاد الشيخ والشاعر على قلة موارده وكثرة عياله ، كريماً لا يغلق الباب دون قاصديه وزواره على كثرتهم وعدم انقطاعهم . وكان يأبى أن يمد يده لمن يعظهم ويعلمهم ، ويرى في ذلك هدراً لشخصيته الداعية وضياعاً لفائدة دعوته .
 حدث مرة أن قام رجل من حلقته في الحرم المكي الشريف ، وبدأ يجمع المال من الحضور فأمره الشيخ بالجلوس فقال له الرجل : يا سيدي إنما أجمع المال لك .فغضب الشيخ واخرج محفظة نقوده وجعل ينثر ما فيها على الحضور قائلاً : نحن جئنا إلى هنا لنعطي لا لنأخذ .
7 ـ دماثة الخلق وحسن المعشر :
 ونلحظ ذلك في كثرة أصدقائه وأصحابه وحب طلابه له وحسن الثناء على أخلاقه . كما نرى ذلك في روح الدعابة والمرح التي ينشرها على مجلسه وفي وفائه لأصدقائه وحفظه للجميل وعدم التنكر لمن يسدي إليه معروفاً . وشواهد هذه الأخلاق كثيرة وخاصة في إخوانياته . وهو دائم الفخر بهذا الخلق النبيل:
إني جميل وربي منه عودني أن أحفظ الود بل أن أعقد النسبا
8 ـ حدة المزاج وسرعة الغضب :
 ولم تكن هذه السمة تبدو عليه إلا عندما تنتهك حرمة من حرمات الله سبحانه ، فهو عندها يتغير لونه ، ويعلو صوته ، ويهدر في كلامه مشيراً بكلتي يديه ، وكأنه يخوض معركة ، وربما تخير أقسى الألفاظ وأشدها إيلاماً ورمى بها من يثير حفيظته بالنيل من مبادئ دعوته وقصيدته في ” الرد على الملحدين ” شاهد بين في ذلك .
سادساً : وفاته :
 ظل الشيخ الشاعر محافظاً على ما نذر نفسه له من الدعوة إلى الله ، وعظاً وإرشاداًَ وخطبة وشعراً ، إلى أن كان يوم السبت موعده مع الشبان نزلاء إصلاحية سيف الدولة ليعظهم ويرشدهم . ورغم تقدمه في السن ، وضعف جسمه ، وشدة البرد ، وتحذير أولاده له من الخروج لم ينثن عن عزمه في المضي إلى الدعوة والإرشاد . ولكن الشيخ الكبير والطود الشامخ وقع في الطريق ، فعاد إلى بيته محمولاً مثقلاً بالآلام.
 ومساء يوم الاثنين الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة سبع ثمانين وثلاثمائة وألف الموافق للثامن عشر من آذار عام ثمانية وستين وتسعمائة وألف صلى الشيخ العشاء قبيل وقتها بدقائق ، ثم أسلم الروح إلى بارئها وهو يوصي أولاده بالمحافظة على هذه الدعوة التي قضى حياته من أجلها .
 وخرجت مدينة حلب صباح اليوم التالي لتودع شيخها وشاعرها ، وغصت أروقة الجامع الأموي الكبير بالمشيعين الذين أدوا الصلاة على شيخهم واستمعوا إلى كلمات التأبين من كبار علماء حلب ومثقفيها ، ثم سار الموكب المهيب ، يرى أوله ولا يرى آخره حتى ووري الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في حلب ردحاً من الزمن في مقبرة الصالحين وسط دموع المشيعين ونحيبهم .
 وقد رثاه عدد من الشعراء بقصائد غراء خلدته . ومنهم صديقه الأستاذ الشاعر عمر يحيى الذي رثاه بقصيدة ، نقش منها على ضريحه هذه الأبيات :
أيها القلب أفق تسلما إنما الدنيا سراب وظنون
حق للأعين أن تبكي دما قل للعقاد تذراف العيون
يا أبا الفضل فقدنا علماً خلق يسمو ودين لا يهون
 رحمه الله تعالى

الهوامش:
(1)للأستاذ العقاد مقالات وأبحاث قيمة في هذا المجال منشورة في صحف ” الفتح ” القاهرية و ” البحر” الفيومية ومجلات ” الجيل الجديد ” و ” هدى الإسلام ” و ” مجلة الإسلام ” القاهريات . وهذه المقالات بالإضافة إلى محاضراته وندواته ، وما نشره في صحف الوطن ومجلاته تؤلف تراثاً نثرياً عظيماً للشاعر أرجو الله أن يوفقنا لتحقيقه ونشره .
(2)منها على سبيل المثال ” جمعية الشبان المسلمين ” في القاهرة و ” جمعية الأدب العربي” في الأزهر.
(3)الشماسة ج شماس رتبة دينية دون القسيس عند النصارى ، وهي من السريانية وتعني الخادم .
(4)انظر قصيدة ” تهنئة وعظة ” في الرد على قصيدة ” تحية إلى منقذي ” التي نشرها صديقه محمد جميل المهتدي والقصيدتان منشورتان في جريدة ” البحر” الفيومية في أغسطس من عام 1933م.
(5)انظر ترجمته في الجزء الأول من كتابنا ” علماء من حلب في القرن الرابع عشر”.
(6)المأمون الذكرى المئوية ص 103 وانظر فيه ذكريات الدكتور سامح جزماتي عميد كلية الهندسة المدنية بجامعة حلب ص 235 وغيره من الأساتذة .
(7)انظر ترجمته في كتابنا ” علماء من حلب في القرن الرابع عشر “.
(8)انظر ترجته في كتابنا ” علماء من حلب في القرن الرابع عشر “.
(9)انظر : إعانة الطلبة المجدين في تراجم أعلام المحدثين من الشيوخ الحلبيين ـ أحمد سردار ص 301 .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here